خالد بن فريد بن محسن
05-04-2009, 08:14 PM
http://majles.alukah.net/images/icons/icon1.gif الشيخ سلمان العودة يتحدث عن شيوخه وأصدقائه .
جاء ذلك في محاضرته ( رجال عرفتهم ) ضمن فعاليات مهرجان ربيع بريدة ( 1430 هـ )
1- الأستاذ : عبد العزيز البليهي.. أستاذ فريد
أوضح الشيخ سلمان أن الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي "رحمه الله" يأتي على رأس هذه الشخصيات؛ فهو أستاذٌ عزيز، كان مُدَرِّسًا في المعاهد العلمية، تَعَرَّفَ علينا ونحن طُلَّاب في المرحلة المتوسطة، وسافَرَ بنا إلى الحج، واحتوانا، وقَدَّم لنا الكثير من المعلومات.. قدَّمَ لنا روحه، وفكره، وخُلُقَه، ومالَهُ، ووَقْتَهُ.
وأشار فضيلتُه إلى أن من طرائف الأشياء أن هذا الأستاذ الذي صافَحْنَاه لأول مرة، في حياتنا مُرَبِّيًا، وأستاذًا ومُعَلِّمًا، ومُؤَثِّرًا، انتقل إلى مكة المكرمة، في وزارة الأوقاف، وأرسلت له رسالةً وأنا طالِبٌ في المعهد العلمي، وكتب الله تعالى له أن يمرض، ويعاني مع المرض طويلًا، ثم يغادر، ويرحل عن هذه الدنيا إلى الدار الآخرة..
وبعد أن تخرجتُ من المعهد، والتحقتُ بكلية الشريعة، وعدتُ مُدَرِّسًا في المعهد ذاتِه، أتاني ساعي البريد يومًا من الأيام، ومعه رسالةٌ لي..فأفتحها، ثم أجد بداخلها ظرفًا مكتوبًا عليه: الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي..! هذا الخط ليس غريبًا عليّ، إنه خَطٌّ أعرفه، أتأمل.. فأجده خطي أنا!!..
كُتِبَ له رحمة الله عليه ألّا يفتح هذه الرسالة، وألَّا يَقْرَأَهَا، ووُجِدَتْ في مكتبه بعد وفاته، فأرسلها بعضُ أصدقائه إلى المعهد العلمي، من حيث صدرتْ، يومَ كنت طالبًا في المرحلة المتوسطة، واستلمتها، وقرأتها، ودمعتْ عيني، وابتسمتُ في الوقت ذاته حين قرأتها وأنا أستاذ مُدَرِّسٌ في ذلك المعهد.
وذكر فضيلته أن هذا الأستاذ كان نموذجًا فريدًا لا يُنْسَى، في تواضعه، وأخلاقه، وظَرْفِه، فالنكتة حاضِرَةٌ على لسانه.. وكان واسع الصدر، يستوعب طلابه، مع أن الأستاذ عادة ما يَمَلُّ من الطلاب في الفصل، ولكنّ الأستاذ عبد العزيز البليهي، كان يخرج بنا إلى الرحلات وإلى الحج.. وإلى العمرة..ويجتمع معنا، ويعيش معنا وقتًا طويلًا، ويتحَمَّلُ كل ما عندنا من نَزَقٍ أو شقاوة الأطفال، أو جدلٍ أو غير ذلك، وكان لهذا الأستاذ أَثَرٌ كَبِيرٌ، لا يستطيع الإنسان أن ينساه.
الدوسري....نمط مختلف
2- الشيخ عبد الرحمن الدوسري "رحمه الله " :
ثم تحدث فضيلته عن "الشيخ عبد الرحمن الدوسري، رحمه الله "، "صاحبِ ذلك الصوت المبحوح، الأجشّ القوي، الذي كان يغشانا في مكتبة ابن القيم في بريدة، وفي المعهد العلمي ببريدة..
كانت المرة الأولى التي سمعته فيها في الجامع الكبير، يَهْدِرُ كالسيل، ويتكلم عن نكسة يونيو 1967، وعنده قصائد يسميها "فلسطينيات"، وقد لا تكون قويةً من الناحية الأدبية، والبناء الشعري، ولكنها قويةٌ في مضامينها، وفي أحاسيسها، فهو يتكلم بها بحرقة، ويكاد يبكي وهو يتكلم":
لقد خانهم أسيادُهم قَوْمُ ماركسٍ كما نكص الشيطان عن مشركي بَدْرِ
وأوضح الدكتور العودة أن الشيخ عبد الرحمن كان نمطًا مختلفًا، فلم يكن يتكلم عن الأحكام الفقهية، أو عن الحلال والحرام، ولا حتى يُفِيض كثيرًا في النصوص، وإنما كان يتكلم عن الجانب الواقعي، عن المعاناة السياسية؛ حيث كان يبحث كثيرًا عن أولئك القادمين من بلاد أخرى؛ من مصر، من الشام، من العراق، ويفرح بهم، ويقول: أنا لا أريد أصحاب الغتر.. أريد أولئك الصلع!! كما يسميهم أحيانا، أي الذين لا يلبسون على رءوسهم شيئا؛ لأنه يشعر أنهم يتفهمون ويحتاجون إلى بضاعته، أكثر مما يحتاج إليها غيرهم.
وذكر فضيلته أن الشيخ رحمه الله، كان كثيرًا ما يتحدث عن كتابٍ له في التفسير، اسمه "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم "، مشيرًا إلى أنه في مرة من المرات ، قام إليه مجموعة من الشباب في المسجد ووجهوا إليه أسئلة، فكان من الأسئلة التي وجهوها إليه عن "تفسير ابن كثير"، فأثنى عليه، ولكنه قال: هناك تفسير أفضل منه، وهو تفسير "في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب..الذي يعيش الواقع المعاصر، ولا يفوقه، إلا تفسيري "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم" !
وأكد الدكتور العودة أن "تفسير ابن كثير"، فيه خيرٌ كثير، ولم يمضِ وَقْتُهُ، بل الحياة كلها وقته، و"تفسير سيد قطب"، أيضا فيه خيرٌ كثير، و"تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي"، فيه خيرٌ كثير، والبصير هو من يقتبس من هذه العلوم كلها، ويأخذ جيدها، ويترك ما ليس كذلك، مما يكون روايةً إسرائيلية، أو رأيًا مرجوحا، أو قولًا ضعيفا، أو ما أشبه ذلك.
صالح البليهي.... الحليم الصبور
3- الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي
ثم تذكر فضيلته "الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي "، وقال عنه: "هو شيخٌ اختُصِصْتُ به، منذ طفولتنا في المعهد العلمي كان يُدَرِّسُنا مادة الفقه.. لا تستطيع أن تنسى بساطة الشيخ، وسعة صدره مع الطلاب، فلعلهم يعبثون أو يلعبون في الفصل، والشيخ يسعهم بحلمه وصبره".
وأوضح الشيخ سلمان: أن الشيخ البليهي كان كثيرًا ما يضرب الأمثلة لطلابه، وفي إحدى المرات كان يُدَرِّسُ كتاب النكاح، للطلاب في أولى ثانوي، أو ثانية ثانوي، فيضرب لهم بعض الأمثلة، فبدلًا من أن يقول مثلا للطالب: يا فلان.. يأتي الشيخ، ويقول: أنكحتك.. بدلا من أن يقول: أنكحتك ابنتي، والطالب يريد أن يقول هذا على سبيل الدعابة! فيصرف الشيخ الأمر ويقول: أنكحتك هذا الباب، أو هذا الجدار!! والطلبة كلهم ينخرطون في ضحك، والشيخ يشاركهم ذلك، مشيرًا إلى أن ابتسامة الشيخ كانت ابتسامةً ساحِرةً وصادقة، ونُكْتَتُهُ حاضرة، وخُلُقُه عظيم، ولم يكن رحمة الله تعالى عليه، يحتقر أحدًا.
ومن مآثر الشيخ معه، قال الدكتور العودة: " فوجئتُ يومًا من الأيام، وكان عند الشيخ ندوة في الجامع الكبير، أنه يدعوني إلى المشاركة في الندوة، وأنا طالبه الصغير، ثم يُقَدِّمُني، وبعد ذلك يقول : تَكَلَّمَ فضيلة الشيخ عن كذا وكذا، وتحدَّثَ فضيلة الشيخ، وأنا وقتها لم أكن فضيلةً ولا شيخًا! ولكنه التشجيع من هذا الرجل العظيم!
لافِتًا إلى أن الشيخ كان دائماً لا يسمح لأحد من الحاضرين، إلا بأن يكون مشاركًا، فهذا يقرأ قرآنا، وهذا يقرأ حديثا، وهذا يقرأ شِعْرًا، حتى إنه في بعض الأحيان يكون معهم أناس من العوام، فيطلب منهم أن يقولوا قصائد شعبية، أو يقولوا بعض الطرائف والقصص..فهو يريد من الجميع أن يشارك، وألا يكون مجرد مستمع.
السلسبيل في معرفة الدليل
وأردف الشيخ سلمان: الشيخ صالح البليهي، رحمه الله، تعرفه في كتاب "السلسبيل في معرفة الدليل"، الذي يعتبر من أفضل كتب الحنابلة المتأخرين، لِمَا فيه من العناية بالأدلة الشرعية؛ القرآن والسنة، والاستدلال بالنصوص على الأقوال الفقهية..وطبع هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، ويُعْتَبَرُ متزامنًا مع كتاب "زاد المستقنع والروض المقنع"، الذي كان يُدَرَّسُ في المعهد العلمي. وكان الشيخ رحمه الله، يحاول دائما أنْ يُقَرِّبَ المعلومات للطلبة، فكان يأتي بالأشعار الجميلة، أو الكلمات المعبرة، مثلا، حينما كان يتكلم عن الإفطار؛ أن يفطر الإنسان على رُطَبٍ أو تمر، أو ماء، كان يُرَدِّدُ :
فطور التمر سنة.. رسول الله سَنَّه
ينال الأجر عبدٌ يُحَلِّي بالمسنة!
الصغار لا ينسون هذا الكلام أبدا..
حينما يأتي إلى المواقيت، تحديد المواقيت، وما هي، كان يُلَقِّنُنَا ويُحَفِّظُنَا :
عرق العراق ينمنم اليمن من ذي الحليفة يحرم المدني
بالشام جحفة إن مررت بها ولأهل نجد قرن فاستبنِ
فكان الشيخ رحمه الله، بخلقه وسلوكه، وطيبة قلبه، لا يَحْمِلُ على أحدٍ شيئًا، وكان نموذجًا في سلامة الصدر، والصفاء.
الشيخ الشيبان...صديق العمر
4- الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيبان "رحمه الله":
ثم تحدث الشيخ سلمان عن صديق عمره الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيباني "رحمه الله"، مُوَضِّحًا أنه تَبَعًا لقاعدة "دائما السِّلْمُ، يبدأ بالحرب"! فإن أول علاقة بالشيخ الشيباني كانت معركةً في الحارة بعد صلاة المغرب، بين طفلين في السادسة الابتدائية، تشاجرنا وتضاربنا، وتماسكنا بالأيدي، وتدخل الناس، وفصلوا بيننا، بعدما ارتفعت الأصوات! كانت هذه الحرب بداية علاقة وصداقة، استمرت بحيث أستطيع أن أقول: إنه هو أقرب صديق لي، حتى قضى رحمه الله في حادث سيارة.
وفي حديثه عن الشيخ الشيباني، قال الدكتور العودة: هذا الرجل كان يتحَرَّقُ على الإسلام، وعلى الدعوة، وعلى الشباب، وعلى الجيل، حتى في نومه، كان يَقْلَقُ، وفي يقظته، كانت الدموع تسبق كلماته، فكان نموذجًا لذلك الإنسان الذي يعيش لقضية، وقد وهبها كُلَّ ما يملك، وهبها عقلَهُ ووجدانه وفكره، ونَوْمَهُ وصحوه، وعلاقته، حتى إنه يعتِبُ ويعجب ويؤاخذ حينما يرى أناسا يضحكون أو يبتسمون، أو يتعاطون نوعًا من الطُّرَف، أو يسترخون.. إنه لم يعرف من الحياة إلا معناها الجاد، رحمة الله تعالى عليه.
محمد الشيبان...وحب الشعر
5- الأستاذ "محمد الشيبان :
وأردف فضيلته: إذا كنت ذكرتُ صديقي الشيخ صالح بن إبراهيم الشيباني، فإنني لا أذهب بعيدا، حينما أذكر الأستاذ "محمد الشيباني".. وهو أخوه الأكبر، وكان يُدَرِّسُ في كلية اللغة في الرياض، ونحن في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي.. كان طفلًا يحب الشعر، وعندما كنت أبحث عن دواوين الشعر، يزودني بها الأستاذ محمد الشيباني.. قصائد، ودواوين، للشاعر وليد الأعظمي، ولشعراء إسلاميين معاصرين، فأحفظ معظم هذه الدواوين، وهذه القصائد..
رسالة.. ورد
وعندما كان يراني أحاول أن أكتب أبياتًا من الشِّعْرِ، فيستثير قريحتي، ويبعث إلَيَّ من الكلية في الرياض، برسالةٍ لا زالت محفوظةً في مخيلتي، وربما في أرشيفي أيضا:
يقول :
يا بُلْبُلَ الروض غَرِّد في مرابعنا وهاتي من لحنك الصافي نردده
على مسامع دنيانا لنعلمها بأنّ للحق أبطالًا تُؤَيِّدُه
نشدو مع الطير في شوقٍ وفي أملٍ ونرقب الفجر عبر الأفق موعده
فالليل مهما عتا في أرضننا زَمَنًا النور من بعده يأتي فيطرده
والغَيُّ مهما علتْ في الأرض رايته الحق يكسر طَغْوَاهُ ويُخْمِدُه
هذي المشاعر أحكيها بها وَجَلٌ وكيف يخشى الورى من رب يَسْنُدُه
فَغَنِّ للجيل واهتف في مسامعهم وأودع الشعر للأيام تنشده
لطالما هز منك اللفظ أفئدةً منا، فزدنا بِشِعْرٍ منك مورده
فأقرأ هذه القصيدة بحماس شديد، وأحفظها كما ترونني، أقرؤها عليكم الآن، وقد حفظتها منذ ذلك الوقت، وأتحمس فأكتب أبياتًا من الشعر، تُعَارِضُ هذه الأبيات، بنفس الوزن والقافية، وأبعث بها إليه في غاية السرور والحبور :
أقول :
البلبل النكد قد أَوْهَتْهُ ما اجترحت يد القضاء، فلا الأيام تَحْسُدُه
فانهد مما يُمِضُّ القلبَ من ألم يشي به الجسم، والأوصالُ تشهده
فلم يعد يعشق التغريدَ من كمدٍ كفاه هم الحنايا إذْ يكابِدُه
وكيف يعزف لحن الجيل مبتكرًا معذبٌ ذاك مَحْضُ الوهم مَوْرِدُه
يا صاح أبكيتَ قلبي فاعتراه ضَنًى لكنَّ لحنَك قد أضحى يُهَدِّدُه
رددت لحنك صَبًّا مدنفًا كَلِفًا لكنّ لَحْنِي نشازٌ.. مَنْ يُرَدِّدُهُ؟!
وأشار فضيلته إلى أن المراسلات والاتصالات بينه وبين الأستاذ محمد الشيباني تواصلت، وأنه مَدِينٌ لهذا الأستاذ الكبير في كثير من القصائد التي حفظها، والمحاولات الشعرية التي سَطَّرَها.
الزيدان... الرجل المحبب في قومه
6- الأستاذ حمد بن محمد الزيدان
ثم ذكر فضيلته الأستاذ حمد بن محمد الزيدان، قائلًا: لا أنسى أبدا رجلًا آخر كان من نفس الجيل، وهو الأستاذ حمد بن محمد الزيدان.
وهو طالِبٌ في المعهد العلمي، ثم تخرج في كلية الشريعة، ثم صار مسئولًا عن الدعوة في المنطقة الشرقية..وقد قدم إِلَيَّ رحمه الله تعالى قبل سنتين، وكان رجلًا محببًا في قومه، وصاحِبَ خُلُقٍ كريم، وعاطفة صافية، ونبل، وقد كان أيضًا مدرسةً في الأخلاق الكريمة.
وقد وصلني بالعديد من القصائد والأشعار والمحاولات، وكان بيني وبينه علاقات ومراسلات.
الخزيم... رجل مُبْدِعٌ ومتفوق
7- الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم
وأشار الشيخ سلمان إلى أن من الشخصيات التي لها أثر في قلبه: الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم، مُضِيفًا: "تَعَرَّفْتُ عليه في المركز الصيفي، فوجَدْتُ رجلًا، يعاملني كأحد أبنائه، حفاوةً وحُبًّا وإشادة..ويُشْعِرُني بأني مُبْدِعٌ ومتفَوِّقٌ وحافِظٌ..ويُشَجِّعُني، ويدفَعُنِي إلى الأمام.. تشعر برغبة صادقة في هذا المعنى، وما أَعْظَمَ هذا الأَثَرَ على الأجيال!
ومن ذكرياته مع الشيخ الخزيم، قال الشيخ سلمان: في يومٍ من الأيام كان عند الشيخ محاضرة في مدرسة الأيتام، وكانوا أطفالًا صغارًا، فقال لي الشيخ: أريد أن تلقي المحاضرة بالنيابة عني. قلت له : كيف لطالب في أولى ثانوي أن يلقي محاضرةً؟! قال: لا عليك.. فتحمستُ وذهبتُ، وأنا لا أدري مَنْ هؤلاء الطلاب، ولا أعرف مستواهم، لكنني اخترت عنوانًا غريبًا: "الإنسان بين طغيان المادة.. وإفلاس الروح"! ثم بحثتُ في المجلات والكتب، وفتشت عن الأرقام والإحصائيات، وأخبار أوروبا، والفساد الأخلاقي، من شذوذ، وإباحية، وانتحار، وغير ذلك من الأشياء..
ثم ذهبتُ وقد أعددتُ عدتي لهذه المحاضرة، وبدأتُ أتكلم للطلاب، بعد أن قَدَّمَنِي أحد الأساتذة، وبدأت أقرأ هذه الإحصائيات، وأنا مهمومٌ مُنْشَغِلٌ بالأوراقِ، والأشياءِ التي بين يديّ.. لم ألتفت لهؤلاء الطلاب، وحتى لو كنت التفتُّ، فلم يكن مُمْكِنًا تدارُكُ الموقف، فقد كانوا طُلَّابًا في المرحلة الابتدائية.
وبعدما انتهت هذه المحاضرة، قام الأستاذ الذي قدمني، وشكرني، ولكنه قال بعد ذلك: أنت تتكلم في وادٍ، والطلاب في وادٍ آخر! ولا تستغرب حينما ترى هؤلاء الطلاب قد ناموا، وتسمع شخيرهم؛ لأنك حلَّقْتَ بهم بعيدا عما يمكن أن يفهموه ويستوعبوه!!
مِمَّا أشعرني بقدر من التحقير!
ولم يتقبل الشيخ صالح الخزيم، رحمه الله، هذا أبدًا..فحمَلَتْهُ غيرته على أن يقوم، ويأخذ الميكروفون بقوة وحرارة، ويقول : إن هذا الكلام الذي قاله المحاضر الشيخ، كلامٌ عظيمٌ قَوِيٌّ، وجَهْدٌ كبيرٌ يخاطب به الأساتذة، والحضور...وبدأ يشجعني ويحفزني، ونَقَضَ كلام ذلك الأستاذ نقضًا قويًّا..ثم انفضَّت المحاضرة، وبدأنا ننصرف، وقد صَفَّ الأساتذة كلهم طابورا يصافحونني، ويقولون: لا فُضَّ فوك، لا فُضَّ فوك..بعضهم من أجلي، وبعضهم من أجل الشيخ صالح الخزيم، رحمة الله تبارك وتعالى عليه.
الشيخ صالح المنصور... الورع التقي
8- الشيخ صالح المنصور :
كان الشيخ صالح المنصور عميدَ الكلية، رحمه الله، عندما كان الشيخ صالح الخزيم وكيلَها، وعندهم تخرجنا ودرسنا..وكانوا رحمهم الله ينهضوننا، ويَحُضُّونَنَا بأخلاقهم، وعِلْمِهم، وصبرهم، وبالقدوة الحسنة التي يقدمونها.
وأضاف فضيلته: لا زلتُ أذكر مواقف كثيرةً عن هذا الأيام، أكتفي منها بموقف واحد: حينما مَرِضَ الشيخ صالح المنصور، وزُرْتُه رحمه الله في مستشفى بريدة، وكان من كتبه التي درسناها في الكلية: كتابٌ في أصول الفقه، أشبهُ بما يكون بتلخيص، أو منتقى، من روضة الناظر لابن قدامة، فجلستُ إلى الشيخ، فقال لي: يُوجَدُ في كتابي هامشٌ، أو حاشية، أخاف منها، وأخشى أنْ يؤاخذني الله عليها، ولا بُدَّ من حذفها في الطبعات القادمة.
فقلت له: ما هذه الحاشية؟ قال : إنني تكلمت عن أحد الفقهاء، الحنابلة- وذكر "نجم الدين الطوفي"، وهو حنبليٌّ أصوليٌّ مشهور-، ونقلتُ مُقَلِّدًا كلامَ بعض العلماء وبعض المترجمين الذي قد يكون فيه تجاوزٌ أو ظُلْمٌ - وأردف الدكتور العودة، قائلًا: انظر إلى هذا الورع، وهذه التقوى!- فقال : لا بد من حذف هذا الكلام، ولا ينبغي أن أُثْبِتَ عن الشيخ إلا ما يليق به ويليق بي.
يتبع ،،، وتحياتي ،،،
جاء ذلك في محاضرته ( رجال عرفتهم ) ضمن فعاليات مهرجان ربيع بريدة ( 1430 هـ )
1- الأستاذ : عبد العزيز البليهي.. أستاذ فريد
أوضح الشيخ سلمان أن الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي "رحمه الله" يأتي على رأس هذه الشخصيات؛ فهو أستاذٌ عزيز، كان مُدَرِّسًا في المعاهد العلمية، تَعَرَّفَ علينا ونحن طُلَّاب في المرحلة المتوسطة، وسافَرَ بنا إلى الحج، واحتوانا، وقَدَّم لنا الكثير من المعلومات.. قدَّمَ لنا روحه، وفكره، وخُلُقَه، ومالَهُ، ووَقْتَهُ.
وأشار فضيلتُه إلى أن من طرائف الأشياء أن هذا الأستاذ الذي صافَحْنَاه لأول مرة، في حياتنا مُرَبِّيًا، وأستاذًا ومُعَلِّمًا، ومُؤَثِّرًا، انتقل إلى مكة المكرمة، في وزارة الأوقاف، وأرسلت له رسالةً وأنا طالِبٌ في المعهد العلمي، وكتب الله تعالى له أن يمرض، ويعاني مع المرض طويلًا، ثم يغادر، ويرحل عن هذه الدنيا إلى الدار الآخرة..
وبعد أن تخرجتُ من المعهد، والتحقتُ بكلية الشريعة، وعدتُ مُدَرِّسًا في المعهد ذاتِه، أتاني ساعي البريد يومًا من الأيام، ومعه رسالةٌ لي..فأفتحها، ثم أجد بداخلها ظرفًا مكتوبًا عليه: الأستاذ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم البليهي..! هذا الخط ليس غريبًا عليّ، إنه خَطٌّ أعرفه، أتأمل.. فأجده خطي أنا!!..
كُتِبَ له رحمة الله عليه ألّا يفتح هذه الرسالة، وألَّا يَقْرَأَهَا، ووُجِدَتْ في مكتبه بعد وفاته، فأرسلها بعضُ أصدقائه إلى المعهد العلمي، من حيث صدرتْ، يومَ كنت طالبًا في المرحلة المتوسطة، واستلمتها، وقرأتها، ودمعتْ عيني، وابتسمتُ في الوقت ذاته حين قرأتها وأنا أستاذ مُدَرِّسٌ في ذلك المعهد.
وذكر فضيلته أن هذا الأستاذ كان نموذجًا فريدًا لا يُنْسَى، في تواضعه، وأخلاقه، وظَرْفِه، فالنكتة حاضِرَةٌ على لسانه.. وكان واسع الصدر، يستوعب طلابه، مع أن الأستاذ عادة ما يَمَلُّ من الطلاب في الفصل، ولكنّ الأستاذ عبد العزيز البليهي، كان يخرج بنا إلى الرحلات وإلى الحج.. وإلى العمرة..ويجتمع معنا، ويعيش معنا وقتًا طويلًا، ويتحَمَّلُ كل ما عندنا من نَزَقٍ أو شقاوة الأطفال، أو جدلٍ أو غير ذلك، وكان لهذا الأستاذ أَثَرٌ كَبِيرٌ، لا يستطيع الإنسان أن ينساه.
الدوسري....نمط مختلف
2- الشيخ عبد الرحمن الدوسري "رحمه الله " :
ثم تحدث فضيلته عن "الشيخ عبد الرحمن الدوسري، رحمه الله "، "صاحبِ ذلك الصوت المبحوح، الأجشّ القوي، الذي كان يغشانا في مكتبة ابن القيم في بريدة، وفي المعهد العلمي ببريدة..
كانت المرة الأولى التي سمعته فيها في الجامع الكبير، يَهْدِرُ كالسيل، ويتكلم عن نكسة يونيو 1967، وعنده قصائد يسميها "فلسطينيات"، وقد لا تكون قويةً من الناحية الأدبية، والبناء الشعري، ولكنها قويةٌ في مضامينها، وفي أحاسيسها، فهو يتكلم بها بحرقة، ويكاد يبكي وهو يتكلم":
لقد خانهم أسيادُهم قَوْمُ ماركسٍ كما نكص الشيطان عن مشركي بَدْرِ
وأوضح الدكتور العودة أن الشيخ عبد الرحمن كان نمطًا مختلفًا، فلم يكن يتكلم عن الأحكام الفقهية، أو عن الحلال والحرام، ولا حتى يُفِيض كثيرًا في النصوص، وإنما كان يتكلم عن الجانب الواقعي، عن المعاناة السياسية؛ حيث كان يبحث كثيرًا عن أولئك القادمين من بلاد أخرى؛ من مصر، من الشام، من العراق، ويفرح بهم، ويقول: أنا لا أريد أصحاب الغتر.. أريد أولئك الصلع!! كما يسميهم أحيانا، أي الذين لا يلبسون على رءوسهم شيئا؛ لأنه يشعر أنهم يتفهمون ويحتاجون إلى بضاعته، أكثر مما يحتاج إليها غيرهم.
وذكر فضيلته أن الشيخ رحمه الله، كان كثيرًا ما يتحدث عن كتابٍ له في التفسير، اسمه "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم "، مشيرًا إلى أنه في مرة من المرات ، قام إليه مجموعة من الشباب في المسجد ووجهوا إليه أسئلة، فكان من الأسئلة التي وجهوها إليه عن "تفسير ابن كثير"، فأثنى عليه، ولكنه قال: هناك تفسير أفضل منه، وهو تفسير "في ظلال القرآن" للأستاذ سيد قطب..الذي يعيش الواقع المعاصر، ولا يفوقه، إلا تفسيري "صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم" !
وأكد الدكتور العودة أن "تفسير ابن كثير"، فيه خيرٌ كثير، ولم يمضِ وَقْتُهُ، بل الحياة كلها وقته، و"تفسير سيد قطب"، أيضا فيه خيرٌ كثير، و"تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي"، فيه خيرٌ كثير، والبصير هو من يقتبس من هذه العلوم كلها، ويأخذ جيدها، ويترك ما ليس كذلك، مما يكون روايةً إسرائيلية، أو رأيًا مرجوحا، أو قولًا ضعيفا، أو ما أشبه ذلك.
صالح البليهي.... الحليم الصبور
3- الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي
ثم تذكر فضيلته "الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي "، وقال عنه: "هو شيخٌ اختُصِصْتُ به، منذ طفولتنا في المعهد العلمي كان يُدَرِّسُنا مادة الفقه.. لا تستطيع أن تنسى بساطة الشيخ، وسعة صدره مع الطلاب، فلعلهم يعبثون أو يلعبون في الفصل، والشيخ يسعهم بحلمه وصبره".
وأوضح الشيخ سلمان: أن الشيخ البليهي كان كثيرًا ما يضرب الأمثلة لطلابه، وفي إحدى المرات كان يُدَرِّسُ كتاب النكاح، للطلاب في أولى ثانوي، أو ثانية ثانوي، فيضرب لهم بعض الأمثلة، فبدلًا من أن يقول مثلا للطالب: يا فلان.. يأتي الشيخ، ويقول: أنكحتك.. بدلا من أن يقول: أنكحتك ابنتي، والطالب يريد أن يقول هذا على سبيل الدعابة! فيصرف الشيخ الأمر ويقول: أنكحتك هذا الباب، أو هذا الجدار!! والطلبة كلهم ينخرطون في ضحك، والشيخ يشاركهم ذلك، مشيرًا إلى أن ابتسامة الشيخ كانت ابتسامةً ساحِرةً وصادقة، ونُكْتَتُهُ حاضرة، وخُلُقُه عظيم، ولم يكن رحمة الله تعالى عليه، يحتقر أحدًا.
ومن مآثر الشيخ معه، قال الدكتور العودة: " فوجئتُ يومًا من الأيام، وكان عند الشيخ ندوة في الجامع الكبير، أنه يدعوني إلى المشاركة في الندوة، وأنا طالبه الصغير، ثم يُقَدِّمُني، وبعد ذلك يقول : تَكَلَّمَ فضيلة الشيخ عن كذا وكذا، وتحدَّثَ فضيلة الشيخ، وأنا وقتها لم أكن فضيلةً ولا شيخًا! ولكنه التشجيع من هذا الرجل العظيم!
لافِتًا إلى أن الشيخ كان دائماً لا يسمح لأحد من الحاضرين، إلا بأن يكون مشاركًا، فهذا يقرأ قرآنا، وهذا يقرأ حديثا، وهذا يقرأ شِعْرًا، حتى إنه في بعض الأحيان يكون معهم أناس من العوام، فيطلب منهم أن يقولوا قصائد شعبية، أو يقولوا بعض الطرائف والقصص..فهو يريد من الجميع أن يشارك، وألا يكون مجرد مستمع.
السلسبيل في معرفة الدليل
وأردف الشيخ سلمان: الشيخ صالح البليهي، رحمه الله، تعرفه في كتاب "السلسبيل في معرفة الدليل"، الذي يعتبر من أفضل كتب الحنابلة المتأخرين، لِمَا فيه من العناية بالأدلة الشرعية؛ القرآن والسنة، والاستدلال بالنصوص على الأقوال الفقهية..وطبع هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات، ويُعْتَبَرُ متزامنًا مع كتاب "زاد المستقنع والروض المقنع"، الذي كان يُدَرَّسُ في المعهد العلمي. وكان الشيخ رحمه الله، يحاول دائما أنْ يُقَرِّبَ المعلومات للطلبة، فكان يأتي بالأشعار الجميلة، أو الكلمات المعبرة، مثلا، حينما كان يتكلم عن الإفطار؛ أن يفطر الإنسان على رُطَبٍ أو تمر، أو ماء، كان يُرَدِّدُ :
فطور التمر سنة.. رسول الله سَنَّه
ينال الأجر عبدٌ يُحَلِّي بالمسنة!
الصغار لا ينسون هذا الكلام أبدا..
حينما يأتي إلى المواقيت، تحديد المواقيت، وما هي، كان يُلَقِّنُنَا ويُحَفِّظُنَا :
عرق العراق ينمنم اليمن من ذي الحليفة يحرم المدني
بالشام جحفة إن مررت بها ولأهل نجد قرن فاستبنِ
فكان الشيخ رحمه الله، بخلقه وسلوكه، وطيبة قلبه، لا يَحْمِلُ على أحدٍ شيئًا، وكان نموذجًا في سلامة الصدر، والصفاء.
الشيخ الشيبان...صديق العمر
4- الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيبان "رحمه الله":
ثم تحدث الشيخ سلمان عن صديق عمره الشيخ : صالح بن إبراهيم الشيباني "رحمه الله"، مُوَضِّحًا أنه تَبَعًا لقاعدة "دائما السِّلْمُ، يبدأ بالحرب"! فإن أول علاقة بالشيخ الشيباني كانت معركةً في الحارة بعد صلاة المغرب، بين طفلين في السادسة الابتدائية، تشاجرنا وتضاربنا، وتماسكنا بالأيدي، وتدخل الناس، وفصلوا بيننا، بعدما ارتفعت الأصوات! كانت هذه الحرب بداية علاقة وصداقة، استمرت بحيث أستطيع أن أقول: إنه هو أقرب صديق لي، حتى قضى رحمه الله في حادث سيارة.
وفي حديثه عن الشيخ الشيباني، قال الدكتور العودة: هذا الرجل كان يتحَرَّقُ على الإسلام، وعلى الدعوة، وعلى الشباب، وعلى الجيل، حتى في نومه، كان يَقْلَقُ، وفي يقظته، كانت الدموع تسبق كلماته، فكان نموذجًا لذلك الإنسان الذي يعيش لقضية، وقد وهبها كُلَّ ما يملك، وهبها عقلَهُ ووجدانه وفكره، ونَوْمَهُ وصحوه، وعلاقته، حتى إنه يعتِبُ ويعجب ويؤاخذ حينما يرى أناسا يضحكون أو يبتسمون، أو يتعاطون نوعًا من الطُّرَف، أو يسترخون.. إنه لم يعرف من الحياة إلا معناها الجاد، رحمة الله تعالى عليه.
محمد الشيبان...وحب الشعر
5- الأستاذ "محمد الشيبان :
وأردف فضيلته: إذا كنت ذكرتُ صديقي الشيخ صالح بن إبراهيم الشيباني، فإنني لا أذهب بعيدا، حينما أذكر الأستاذ "محمد الشيباني".. وهو أخوه الأكبر، وكان يُدَرِّسُ في كلية اللغة في الرياض، ونحن في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي.. كان طفلًا يحب الشعر، وعندما كنت أبحث عن دواوين الشعر، يزودني بها الأستاذ محمد الشيباني.. قصائد، ودواوين، للشاعر وليد الأعظمي، ولشعراء إسلاميين معاصرين، فأحفظ معظم هذه الدواوين، وهذه القصائد..
رسالة.. ورد
وعندما كان يراني أحاول أن أكتب أبياتًا من الشِّعْرِ، فيستثير قريحتي، ويبعث إلَيَّ من الكلية في الرياض، برسالةٍ لا زالت محفوظةً في مخيلتي، وربما في أرشيفي أيضا:
يقول :
يا بُلْبُلَ الروض غَرِّد في مرابعنا وهاتي من لحنك الصافي نردده
على مسامع دنيانا لنعلمها بأنّ للحق أبطالًا تُؤَيِّدُه
نشدو مع الطير في شوقٍ وفي أملٍ ونرقب الفجر عبر الأفق موعده
فالليل مهما عتا في أرضننا زَمَنًا النور من بعده يأتي فيطرده
والغَيُّ مهما علتْ في الأرض رايته الحق يكسر طَغْوَاهُ ويُخْمِدُه
هذي المشاعر أحكيها بها وَجَلٌ وكيف يخشى الورى من رب يَسْنُدُه
فَغَنِّ للجيل واهتف في مسامعهم وأودع الشعر للأيام تنشده
لطالما هز منك اللفظ أفئدةً منا، فزدنا بِشِعْرٍ منك مورده
فأقرأ هذه القصيدة بحماس شديد، وأحفظها كما ترونني، أقرؤها عليكم الآن، وقد حفظتها منذ ذلك الوقت، وأتحمس فأكتب أبياتًا من الشعر، تُعَارِضُ هذه الأبيات، بنفس الوزن والقافية، وأبعث بها إليه في غاية السرور والحبور :
أقول :
البلبل النكد قد أَوْهَتْهُ ما اجترحت يد القضاء، فلا الأيام تَحْسُدُه
فانهد مما يُمِضُّ القلبَ من ألم يشي به الجسم، والأوصالُ تشهده
فلم يعد يعشق التغريدَ من كمدٍ كفاه هم الحنايا إذْ يكابِدُه
وكيف يعزف لحن الجيل مبتكرًا معذبٌ ذاك مَحْضُ الوهم مَوْرِدُه
يا صاح أبكيتَ قلبي فاعتراه ضَنًى لكنَّ لحنَك قد أضحى يُهَدِّدُه
رددت لحنك صَبًّا مدنفًا كَلِفًا لكنّ لَحْنِي نشازٌ.. مَنْ يُرَدِّدُهُ؟!
وأشار فضيلته إلى أن المراسلات والاتصالات بينه وبين الأستاذ محمد الشيباني تواصلت، وأنه مَدِينٌ لهذا الأستاذ الكبير في كثير من القصائد التي حفظها، والمحاولات الشعرية التي سَطَّرَها.
الزيدان... الرجل المحبب في قومه
6- الأستاذ حمد بن محمد الزيدان
ثم ذكر فضيلته الأستاذ حمد بن محمد الزيدان، قائلًا: لا أنسى أبدا رجلًا آخر كان من نفس الجيل، وهو الأستاذ حمد بن محمد الزيدان.
وهو طالِبٌ في المعهد العلمي، ثم تخرج في كلية الشريعة، ثم صار مسئولًا عن الدعوة في المنطقة الشرقية..وقد قدم إِلَيَّ رحمه الله تعالى قبل سنتين، وكان رجلًا محببًا في قومه، وصاحِبَ خُلُقٍ كريم، وعاطفة صافية، ونبل، وقد كان أيضًا مدرسةً في الأخلاق الكريمة.
وقد وصلني بالعديد من القصائد والأشعار والمحاولات، وكان بيني وبينه علاقات ومراسلات.
الخزيم... رجل مُبْدِعٌ ومتفوق
7- الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم
وأشار الشيخ سلمان إلى أن من الشخصيات التي لها أثر في قلبه: الأستاذ صالح بن ناصر الخزيم، مُضِيفًا: "تَعَرَّفْتُ عليه في المركز الصيفي، فوجَدْتُ رجلًا، يعاملني كأحد أبنائه، حفاوةً وحُبًّا وإشادة..ويُشْعِرُني بأني مُبْدِعٌ ومتفَوِّقٌ وحافِظٌ..ويُشَجِّعُني، ويدفَعُنِي إلى الأمام.. تشعر برغبة صادقة في هذا المعنى، وما أَعْظَمَ هذا الأَثَرَ على الأجيال!
ومن ذكرياته مع الشيخ الخزيم، قال الشيخ سلمان: في يومٍ من الأيام كان عند الشيخ محاضرة في مدرسة الأيتام، وكانوا أطفالًا صغارًا، فقال لي الشيخ: أريد أن تلقي المحاضرة بالنيابة عني. قلت له : كيف لطالب في أولى ثانوي أن يلقي محاضرةً؟! قال: لا عليك.. فتحمستُ وذهبتُ، وأنا لا أدري مَنْ هؤلاء الطلاب، ولا أعرف مستواهم، لكنني اخترت عنوانًا غريبًا: "الإنسان بين طغيان المادة.. وإفلاس الروح"! ثم بحثتُ في المجلات والكتب، وفتشت عن الأرقام والإحصائيات، وأخبار أوروبا، والفساد الأخلاقي، من شذوذ، وإباحية، وانتحار، وغير ذلك من الأشياء..
ثم ذهبتُ وقد أعددتُ عدتي لهذه المحاضرة، وبدأتُ أتكلم للطلاب، بعد أن قَدَّمَنِي أحد الأساتذة، وبدأت أقرأ هذه الإحصائيات، وأنا مهمومٌ مُنْشَغِلٌ بالأوراقِ، والأشياءِ التي بين يديّ.. لم ألتفت لهؤلاء الطلاب، وحتى لو كنت التفتُّ، فلم يكن مُمْكِنًا تدارُكُ الموقف، فقد كانوا طُلَّابًا في المرحلة الابتدائية.
وبعدما انتهت هذه المحاضرة، قام الأستاذ الذي قدمني، وشكرني، ولكنه قال بعد ذلك: أنت تتكلم في وادٍ، والطلاب في وادٍ آخر! ولا تستغرب حينما ترى هؤلاء الطلاب قد ناموا، وتسمع شخيرهم؛ لأنك حلَّقْتَ بهم بعيدا عما يمكن أن يفهموه ويستوعبوه!!
مِمَّا أشعرني بقدر من التحقير!
ولم يتقبل الشيخ صالح الخزيم، رحمه الله، هذا أبدًا..فحمَلَتْهُ غيرته على أن يقوم، ويأخذ الميكروفون بقوة وحرارة، ويقول : إن هذا الكلام الذي قاله المحاضر الشيخ، كلامٌ عظيمٌ قَوِيٌّ، وجَهْدٌ كبيرٌ يخاطب به الأساتذة، والحضور...وبدأ يشجعني ويحفزني، ونَقَضَ كلام ذلك الأستاذ نقضًا قويًّا..ثم انفضَّت المحاضرة، وبدأنا ننصرف، وقد صَفَّ الأساتذة كلهم طابورا يصافحونني، ويقولون: لا فُضَّ فوك، لا فُضَّ فوك..بعضهم من أجلي، وبعضهم من أجل الشيخ صالح الخزيم، رحمة الله تبارك وتعالى عليه.
الشيخ صالح المنصور... الورع التقي
8- الشيخ صالح المنصور :
كان الشيخ صالح المنصور عميدَ الكلية، رحمه الله، عندما كان الشيخ صالح الخزيم وكيلَها، وعندهم تخرجنا ودرسنا..وكانوا رحمهم الله ينهضوننا، ويَحُضُّونَنَا بأخلاقهم، وعِلْمِهم، وصبرهم، وبالقدوة الحسنة التي يقدمونها.
وأضاف فضيلته: لا زلتُ أذكر مواقف كثيرةً عن هذا الأيام، أكتفي منها بموقف واحد: حينما مَرِضَ الشيخ صالح المنصور، وزُرْتُه رحمه الله في مستشفى بريدة، وكان من كتبه التي درسناها في الكلية: كتابٌ في أصول الفقه، أشبهُ بما يكون بتلخيص، أو منتقى، من روضة الناظر لابن قدامة، فجلستُ إلى الشيخ، فقال لي: يُوجَدُ في كتابي هامشٌ، أو حاشية، أخاف منها، وأخشى أنْ يؤاخذني الله عليها، ولا بُدَّ من حذفها في الطبعات القادمة.
فقلت له: ما هذه الحاشية؟ قال : إنني تكلمت عن أحد الفقهاء، الحنابلة- وذكر "نجم الدين الطوفي"، وهو حنبليٌّ أصوليٌّ مشهور-، ونقلتُ مُقَلِّدًا كلامَ بعض العلماء وبعض المترجمين الذي قد يكون فيه تجاوزٌ أو ظُلْمٌ - وأردف الدكتور العودة، قائلًا: انظر إلى هذا الورع، وهذه التقوى!- فقال : لا بد من حذف هذا الكلام، ولا ينبغي أن أُثْبِتَ عن الشيخ إلا ما يليق به ويليق بي.
يتبع ،،، وتحياتي ،،،