سرابـ
04-07-2009, 09:20 AM
الإدارة في حياة سماحة الشيخ ابن باز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن المتأمل في شخصية سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله- يجد فيها تكاملا نادرا؛ فقد كان أمة في رجل، وإماما في العلم والأخلاق والتواضع والكرم والشجاعة في الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنزال الناس منازلهم، وسلامة الصدر، والولاء والبراء، والحلم والصبر على قضاء حاجات الناس، على اختلافهم وتنوع مطالبهم، حريصا على الإصلاح، وجمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتأليف القلوب، رفيقا هادئا، مقنعا في الرد على المخالف، بليغ الحجة سهل الأسلوب واضح المعنى، قد أنزل الله له المحبة في قلوب عباده، والقبول لعلمه وفتاواه من الصغير والكبير، والعالم وغير المتعلم، في شتى أنحاء العالم الإسلامي، فلقد خسرت الأمة بفقده عالما تقيا ورعا زاهدا عابدا، ولا نزكي على الله أحدا.
لقد عرف الناس الإمام ابن باز عالما وقاضيا ومعلما ومفتيا، ولكن قلة منهم من يعرفونه قائدا إداريا ناجحا، أدار جهازين كبيرين لهما ثقلهما ومكانتهما و أعمالهما وأنشطتهما في الداخل، و على مستوى العالم الإسلامي، ألا وهما الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وهذا ما دفعني لمحاولة تسليط الضوء على هذا الجانب من حياة الشيخ في هذه المقالة الموجزة، فهذا الجانب لم يحظ - فيما أعلم- بالاهتمام والتركيز الذي يستحقه، فيما كتب عن الشيخ، رحمه الله.
لقد يسر الله لي العمل تحت إدارة سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله- مفتي عام المملكة ورئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لمدة سبع سنوات من 16/12/1404هـ، إلى 1/2/1412هـ.
ولقد كانت هذه الفترة من أغلى وأغنى سنوات خدمتي في الوظيفة العامة، حيث شرفني سماحته بطلب نقل خدماتي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مديرا عاما لشؤون الموظفين.
وقد عملت بالقرب من سماحته وتحت نظره وتوجيهاته، وشرفت بحضور الكثير من اللجان والاجتماعات التي كانت تعقد برئاسته، كما شرفني بالاشتراك في الكثير من اللجان الدعوية والإدارية والمالية، والزيارات الميدانية للكثير من مراكز الدعوة و الإرشاد في الداخل والخارج، و بعضوية المجلس الاستشاري للرئاسة الذي كان يرأسه، رحمه الله.
لقد كان الشيخ -رحمه الله- يملك شخصية فذة، تملك خبرات متنوعة؛ فقد عمل في القضاء و الفتوى، والتأليف و الإدارة والتدريس والتعليم العالي، حيث دَرَس في كلية الشريعة بالرياض، وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، أثناء ترأسه لإدارتها.
ولقد كان من أبرز أعماله الإدارية أنه عمل:
نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية من 1381- 1390 ، ثم رئيسا للجامعة من 1390 – 1395 هـ.
رئيسا للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من عام 1395 حتى وفاته في عام 1420 هـ، رحمه الله.
رئيسا لهيئة كبار العلماء ومفتيا عاما للمملكة من عام 1413 حتى وفاته في عام 1420 هـ، رحمه الله.
إلى غير ذلك من المسئوليات العلمية والدعوية والإدارية .
وسأحاول – في هذه العجالة- أن أركز على ما يتعلق بالجوانب الإدارية من شخصيته، فقد كان -رحمه الله- من القادة الإداريين الناجحين الأفذاذ، ومن يتأمل في منهجه الإداري، يعتقد أنه كان متخصصا في الإدارة، فلقد أجاد وأفاد في تطبيق منهج إداري متميز على أرض الواقع، وفق القواعد الإدارية الناجحة المنضبطة بالمنهج الشرعي، ومن أبرز ملامح منهجه الإداري، رحمه الله:
1. التخطيط : لقد كان – رحمه الله – يهتم بالتخطيط على المدى القريب والبعيد، لكونه جسرا يربط بين الحاضر والمستقبل، سواء في العمل الرسمي، أو الدعوي، ويحرص على ذلك، ويوجه المسئولين معه بالالتزام بالتخطيط.
2. الشورى: لقد كان عجيبا في تطبيقه للشورى، في الأمور التي تحتاج إلى استطلاع الرأي والمشورة، فيستشير ويجيد الاستماع للآراء، ويناقشها بكل هدوء، حتى يتبين الأصلح، فيوجه للأخذ به واعتماده. وتراه أحيانا يكوّن لجنة لما يراه يحتاج إلى رأي مجموعة متخصصة، ويجيد اختيار الأعضاء وفق نوعية المطلوب دراسته، وقد أسّسّ مجلساً استشارياً في الرئاسة كوّنه من كبار مسئوليها برئاسته –رحمه الله- يحيل إليه المعاملات التي يرى ضرورة دراستها بشكل جماعي، ويرغب التشاور فيها وسماع الآراء حولها، للأخذ بأنسبها وأصلحها، ويجتمع هذا المجلس في الغالب أسبوعيا، أو كلما دعت الحاجة، ووجد من القضايا ما يستدعي اجتماعه.
3. التنظيم وتوزيع العمل : يعد التنظيم من أهم المهارات الإدارية البارزة في أسلوب الشيخ الإداري، وكان يحرص على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، كما كان يحرص على تنسيق الجهود بين العاملين، وإيجاد التعاون فيما بينهم، ويزرع الثقة بين الرئيس والزميل والمرؤوس، ويحث الجميع في كل مناسبة على العمل كفريق واحد.
وكان له أسلوب مميز في توزيع الأعمال و المهام على الموظفين في مكتب سماحته –مكتب الرئيس العام- الذين كانوا يعرضون عليه المعاملات والطلبات، ويدونون ما يوجه به سماحته على كل منها؛ فقد خصص موظفا لأعمال الدعوة في الخارج، وثان للفتاوى، وثالث للدعوة في الداخل، وآخر للمساعدات و المساجد والشفاعات، وخامس للأعمال الإدارية والمالية في ديوان الرئاسة، وفروعها في الداخل والخارج، وآخر للبحوث والمجلة، وموظف خاص بمسائل الطلاق، وهكذا .. وقد اختار لكل مجال ما يناسبه من الموظفين. وقد كان -رحمه الله- سريع الاستذكار للأسماء والمعاملات، وأسماء الدعاة وأماكنهم، في الداخل والخارج.
4. الحرص على تطبيق النظام على الجميع : لقد كان حريصا على تطبيق النظام على الجميع، إلا إذا رأى مصلحة راجحة في الاستثناء فإنه يرفع بذلك لولاة الأمر، مبرراً ذلك بالأسباب التي تقتضيها الحالة، وقد كان –رحمه الله- يحظى بمكانة كبيرة، و بالاحترام والتقدير عند ولاة الأمر، حفظهم الله.
5. القدوة الحسنة: لقد كان قدوة حسنة في خلقه وصبره، وسمته وشخصيته، وعمله وتعامله، وانضباطه ودقته في المواعيد، واستغلاله للوقت، وكان مضرب المثل في علو الهمة، ودماثة الخلق، والتواضع الجم. كما كان يمتاز بالعلاقات الجيدة مع جميع العاملين معه، بل جميع شرائح المجتمع ، ويدرك ذلك كل من عمل تحت إدارته، أو قابله أو اتصل به .
6. إدارة الوقت وحسن استثماره: لقد كان – رحمه الله- نموذجاً نادراً في حفظ وتنظيم الوقت، فسماحته -رحمه الله- ليس لديه وقت فراغ ، فهو يهتم كثيراً بالوقت ويقدر قيمته الحقيقية ويحسن استغلاله بكل دقة ومهارة، فالمتتبع له في اليوم والليلة يعجب كيف يقدر على هذا الكم الهائل من العمل، وخاصة عندما كبر سنه، فهو في عمل دائم وأقل ما في جدوله اليومي هو النوم، أما الباقي فكله في سبيل الله، ابتداء من قيامه للتهجد في آخر الليل، إلى دروسه بعد الفجر والاطلاع على ما يعرض عليه في هذا الوقت، إلى الدوام حتى قبيل العصر، ثم دروس ما بعد صلاة العصر، ثم الجلسة العامة للإفتاء بعد المغرب، وقضاء حاجات الناس، إلى الوقت المخصص بعد العشاء للمعاملات والاجتماعات وتسجيل حلقات الأحاديث والفتاوى وغير ذلك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن المتأمل في شخصية سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله- يجد فيها تكاملا نادرا؛ فقد كان أمة في رجل، وإماما في العلم والأخلاق والتواضع والكرم والشجاعة في الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنزال الناس منازلهم، وسلامة الصدر، والولاء والبراء، والحلم والصبر على قضاء حاجات الناس، على اختلافهم وتنوع مطالبهم، حريصا على الإصلاح، وجمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتأليف القلوب، رفيقا هادئا، مقنعا في الرد على المخالف، بليغ الحجة سهل الأسلوب واضح المعنى، قد أنزل الله له المحبة في قلوب عباده، والقبول لعلمه وفتاواه من الصغير والكبير، والعالم وغير المتعلم، في شتى أنحاء العالم الإسلامي، فلقد خسرت الأمة بفقده عالما تقيا ورعا زاهدا عابدا، ولا نزكي على الله أحدا.
لقد عرف الناس الإمام ابن باز عالما وقاضيا ومعلما ومفتيا، ولكن قلة منهم من يعرفونه قائدا إداريا ناجحا، أدار جهازين كبيرين لهما ثقلهما ومكانتهما و أعمالهما وأنشطتهما في الداخل، و على مستوى العالم الإسلامي، ألا وهما الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وهذا ما دفعني لمحاولة تسليط الضوء على هذا الجانب من حياة الشيخ في هذه المقالة الموجزة، فهذا الجانب لم يحظ - فيما أعلم- بالاهتمام والتركيز الذي يستحقه، فيما كتب عن الشيخ، رحمه الله.
لقد يسر الله لي العمل تحت إدارة سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله- مفتي عام المملكة ورئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لمدة سبع سنوات من 16/12/1404هـ، إلى 1/2/1412هـ.
ولقد كانت هذه الفترة من أغلى وأغنى سنوات خدمتي في الوظيفة العامة، حيث شرفني سماحته بطلب نقل خدماتي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، مديرا عاما لشؤون الموظفين.
وقد عملت بالقرب من سماحته وتحت نظره وتوجيهاته، وشرفت بحضور الكثير من اللجان والاجتماعات التي كانت تعقد برئاسته، كما شرفني بالاشتراك في الكثير من اللجان الدعوية والإدارية والمالية، والزيارات الميدانية للكثير من مراكز الدعوة و الإرشاد في الداخل والخارج، و بعضوية المجلس الاستشاري للرئاسة الذي كان يرأسه، رحمه الله.
لقد كان الشيخ -رحمه الله- يملك شخصية فذة، تملك خبرات متنوعة؛ فقد عمل في القضاء و الفتوى، والتأليف و الإدارة والتدريس والتعليم العالي، حيث دَرَس في كلية الشريعة بالرياض، وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، أثناء ترأسه لإدارتها.
ولقد كان من أبرز أعماله الإدارية أنه عمل:
نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية من 1381- 1390 ، ثم رئيسا للجامعة من 1390 – 1395 هـ.
رئيسا للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من عام 1395 حتى وفاته في عام 1420 هـ، رحمه الله.
رئيسا لهيئة كبار العلماء ومفتيا عاما للمملكة من عام 1413 حتى وفاته في عام 1420 هـ، رحمه الله.
إلى غير ذلك من المسئوليات العلمية والدعوية والإدارية .
وسأحاول – في هذه العجالة- أن أركز على ما يتعلق بالجوانب الإدارية من شخصيته، فقد كان -رحمه الله- من القادة الإداريين الناجحين الأفذاذ، ومن يتأمل في منهجه الإداري، يعتقد أنه كان متخصصا في الإدارة، فلقد أجاد وأفاد في تطبيق منهج إداري متميز على أرض الواقع، وفق القواعد الإدارية الناجحة المنضبطة بالمنهج الشرعي، ومن أبرز ملامح منهجه الإداري، رحمه الله:
1. التخطيط : لقد كان – رحمه الله – يهتم بالتخطيط على المدى القريب والبعيد، لكونه جسرا يربط بين الحاضر والمستقبل، سواء في العمل الرسمي، أو الدعوي، ويحرص على ذلك، ويوجه المسئولين معه بالالتزام بالتخطيط.
2. الشورى: لقد كان عجيبا في تطبيقه للشورى، في الأمور التي تحتاج إلى استطلاع الرأي والمشورة، فيستشير ويجيد الاستماع للآراء، ويناقشها بكل هدوء، حتى يتبين الأصلح، فيوجه للأخذ به واعتماده. وتراه أحيانا يكوّن لجنة لما يراه يحتاج إلى رأي مجموعة متخصصة، ويجيد اختيار الأعضاء وفق نوعية المطلوب دراسته، وقد أسّسّ مجلساً استشارياً في الرئاسة كوّنه من كبار مسئوليها برئاسته –رحمه الله- يحيل إليه المعاملات التي يرى ضرورة دراستها بشكل جماعي، ويرغب التشاور فيها وسماع الآراء حولها، للأخذ بأنسبها وأصلحها، ويجتمع هذا المجلس في الغالب أسبوعيا، أو كلما دعت الحاجة، ووجد من القضايا ما يستدعي اجتماعه.
3. التنظيم وتوزيع العمل : يعد التنظيم من أهم المهارات الإدارية البارزة في أسلوب الشيخ الإداري، وكان يحرص على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، كما كان يحرص على تنسيق الجهود بين العاملين، وإيجاد التعاون فيما بينهم، ويزرع الثقة بين الرئيس والزميل والمرؤوس، ويحث الجميع في كل مناسبة على العمل كفريق واحد.
وكان له أسلوب مميز في توزيع الأعمال و المهام على الموظفين في مكتب سماحته –مكتب الرئيس العام- الذين كانوا يعرضون عليه المعاملات والطلبات، ويدونون ما يوجه به سماحته على كل منها؛ فقد خصص موظفا لأعمال الدعوة في الخارج، وثان للفتاوى، وثالث للدعوة في الداخل، وآخر للمساعدات و المساجد والشفاعات، وخامس للأعمال الإدارية والمالية في ديوان الرئاسة، وفروعها في الداخل والخارج، وآخر للبحوث والمجلة، وموظف خاص بمسائل الطلاق، وهكذا .. وقد اختار لكل مجال ما يناسبه من الموظفين. وقد كان -رحمه الله- سريع الاستذكار للأسماء والمعاملات، وأسماء الدعاة وأماكنهم، في الداخل والخارج.
4. الحرص على تطبيق النظام على الجميع : لقد كان حريصا على تطبيق النظام على الجميع، إلا إذا رأى مصلحة راجحة في الاستثناء فإنه يرفع بذلك لولاة الأمر، مبرراً ذلك بالأسباب التي تقتضيها الحالة، وقد كان –رحمه الله- يحظى بمكانة كبيرة، و بالاحترام والتقدير عند ولاة الأمر، حفظهم الله.
5. القدوة الحسنة: لقد كان قدوة حسنة في خلقه وصبره، وسمته وشخصيته، وعمله وتعامله، وانضباطه ودقته في المواعيد، واستغلاله للوقت، وكان مضرب المثل في علو الهمة، ودماثة الخلق، والتواضع الجم. كما كان يمتاز بالعلاقات الجيدة مع جميع العاملين معه، بل جميع شرائح المجتمع ، ويدرك ذلك كل من عمل تحت إدارته، أو قابله أو اتصل به .
6. إدارة الوقت وحسن استثماره: لقد كان – رحمه الله- نموذجاً نادراً في حفظ وتنظيم الوقت، فسماحته -رحمه الله- ليس لديه وقت فراغ ، فهو يهتم كثيراً بالوقت ويقدر قيمته الحقيقية ويحسن استغلاله بكل دقة ومهارة، فالمتتبع له في اليوم والليلة يعجب كيف يقدر على هذا الكم الهائل من العمل، وخاصة عندما كبر سنه، فهو في عمل دائم وأقل ما في جدوله اليومي هو النوم، أما الباقي فكله في سبيل الله، ابتداء من قيامه للتهجد في آخر الليل، إلى دروسه بعد الفجر والاطلاع على ما يعرض عليه في هذا الوقت، إلى الدوام حتى قبيل العصر، ثم دروس ما بعد صلاة العصر، ثم الجلسة العامة للإفتاء بعد المغرب، وقضاء حاجات الناس، إلى الوقت المخصص بعد العشاء للمعاملات والاجتماعات وتسجيل حلقات الأحاديث والفتاوى وغير ذلك.