المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص من التاريخ


خالد بن فريد بن محسن
09-05-2007, 09:05 PM
*حياكم الله ، سوف نبحر مع كتاب الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - قصص من التاريخ ، ونسرد بعضا منها والتي صاغها بأسلوبه الأدبي الجميل فهو كما وصفوه : أديب الفقهاء وفقيه الأدباء ، فإلى أولى قصصه :


وديعة الله



كان فتى من أبناء التجار، بارع الفتوة واسع الغنى، قد جمعت له اللذائذ، وسيقت إليه المنى، دكانه البحر تنصب فيه جداول الذهب، وداره الجنه تجري من تحتها الأنهار، وفيها الحور العين، خمسون من الجواري الفاتنات اللائي حملن إلى بغداد من أقطار الأرض وحشرن فيها، كما تحمل إلى مخدع العروس كل وردة فاتنة في الروض، وزهرة جميلة في الجبل.

ولكنه لم يشعر بنعيم الحياة، ومعتة العيش، حتى اشترى هذه الجارية بمخمسمئة دينار وكان قد رآها في سوق الرقيق فرأى جمالا أحلى من أحلام الحب، وأجمل من بلوغ الأماني، وأطهر من زنبقة الجبل، فهام بها هياماً، وزاد فيها حتى بلغ هذا الثمن، وانصرف بها إلى داره، وهو يحسب أنه قد حيزت له الدنيا، وأمتع بالخلود، واشتغل بها وانقطع إليها، ولم يعد يخرج إلى الدكان إلا ساعة كل يوم ثم لا يستطيع أن يصبر عنها؛ ويزلزله الشوق إليها، وتدركه هواجس الحب فيغار عليها، لا من الناس فما يصل الناس إليها، بل من الشمس أن تلمحها عين الشمس، ومن النسيم أن تلمسها يد النسيم، ويشعر بهذه الغيرة المحرقة في قلبه، فيهرع إليها ليطفئها بلماها.

لقد صار هذا الحب مصدر لذته، وسر حياته، وما كان يدري من قبله ما اللذة وما الحياة، وما كان يحس أنه يعيش حقاً، وأن له قلباً، وما كان يدرك من قبله بهاء النهار، ولا فتنة الليل، ولا سحر القمر، كان ذلك عنده كالألفاظ بلا معنى، يفهم منه ما يفهمه الأعجمي إذا تلوت عليه غزل العرب؛ فلما عرف الحب أدرك أن وراء هذه الألفاظ معاني تهز الفؤاد، وتستهوي القلب. وكان يمشي في طريق الحياة كما يمشي الرجل في المتحف المظلم، فطلع عليه هذا الحب نوراً مشرقاً أراه هذه التحف الفاتنات وهذه الروائع.

وتتالت الأيام، وزاد إقبالا عليها وزاد إعراضاً عن الدكان. وكان يبصر دنياه تدبر عنه، وتجارته تذوب في ضرم هذا الغرام كما يذوب الثلج، وتتبدد كما يتبدد الندى في وهج الشمس، ولكنه لا يكره هذا الحب ولا ينفر منه، ولا يزداد إلا تعلقاً وتمسكاً بأهدابه... وكان كل ما في الحياة من متع، لا يعدل عنده لحظة واحدة من لحظات الوصال، وذهب الأرض كله لا يساوي هناء من هناءات الحب، فكان يترك البائعين والمشترين، ويسعى إليها ليشتري منها اللذاذات والقبل.

وكانت كلما نصحته وأرادته على العود إلى تجارته، قال لها: مالي وللمال؟ أنت مالي وتجارتي ومكسبي، فلا تستطيع أن تفتح فمها بجواب لأن شفتيه تقيدان فما فلا ينفتح!

وأصبح الرجل ذات يوم فإذا التجارة قد بارت، وباد المال، وذهب الأثاث، وبيعت الجواري،ولم يبق في يده شيء يباع؛ فأقبل ينقض الدار ويبيع أنقاضها، ولم يأس على ذاهب، ولم يحس بمفقد مفقود، فقد كان يلقى الحبيبة، ويجد في حبها غذاءه إذا جاع، وريّه إذا عطش، ودفئه إذا برد، وفغي وجنتيها ما يغنيه عن الأوراد، وفي ثناياها بديلاً عن اللآلئ، وفي ريقها العسل المصفى، وخمره المعتق، ومن ريحها العطر الفواح، وفي صدرها دنياه، ويرى الدار الخالية معها قصراً عامراً، والصحراء روضة مزهرة، والليل المظلم معها نهاراً مضيئاً...

وأثمر الحبق وجاء الحصاد، ولكنه قد خالف موعده، فلم يجيء في الربيع الطلق، ولا في الصحو الجميل، بل قدم في الشتاء الكالح، والأيام القاتمة الدكناء، أيام الفقر والعوز، وأخذها المخاض فجعلت تتلوى من الألم على أرض الحجرة، وما تحتها إلا حصير تقطعت منه الخيوط، وفراش بلي وجهه، وتناثر قطنه حتى اختلط بالتراب... وطال عليها الوجع وهو واقف أمامها يحس ألمها في ضلوعه، وأن كل صرخة منها سكين محمّى يحزّ في قلبه، ولكنه لا يملك لها شيئاً، وقالت له بعد أن عجزت عن الاحتمال: إني أموت... فاذهب فاحتل بشيء تشتري به عسلاً ودقيقاً وشيرجاً (دهن السمسم)، اذهب وعجل، فإنك إذا أبطأت لم تجدني.

* * * * * * * * *

وخرج... وصار كالمجنون، أين يذهب والليل قد مالت نجومه؟ والناس نيام في دورهم، ولا يجد من يلجأ إليه، فقد فصله الحب عن الدنيا وصيّره غريباً فيها، ليست منه ولا هو منها، وكذلك يصنع الحب!

وجعل يهيم على وجهه حتى بلغ الجسر، جسر بغداد، وكان الليل خاشعاً ساكناً، والناس قد أمّوا بيوتهم، وأنسوا بأهليهم، وهو الوحيد الشارد، لا أهل له إلا التي خلفها تعاني سكرات الموت، وعجز عن إسعادها؛ ولا دار له إلا هذه الخرب التي فرّ منها.

لقد كانت هذه المرأة حظه من دنياه، وها هي ذي تموت فلا يبقى له دنياه حظ، وكانت هي نورها فلن يبقى له بعدها من نور.

وتصور الوحشة المخيفة، والوحدة المرعبة، التي سيقدم عليها إن ولت عنه هذه المرأة التي كان يعيش بها ولها، فنظر إلى ماء دجلة يجري أسود ملتفاً ببرد الليل، فأحب أن تواريه أحشاؤه، وتراءى له الموت حلواً فيه متعة اللقاء، وأنسة الاجتماع...

وعاد فذكر آلام الحبيبة وانتظارها، وعجزه عن معونتها وإسعادها، فتوجه إلى الله ودعاه من قلبه صادقاً مخلصاً وقال: ((يا رب، إني أستودعك هذه المرأة وما في بطنها..))، وهمّ بإلقاء نفسه بالماء، وفكر في الموت فوارت صورته أحلام الحب ورؤاه، ولم يعد يرى إلا هذه الهوة التي سيتردى فيها، وتسلق درابزين الجسر فأدركته حلاوة الروح فراح يتصور برودة الماء، ويفكر في الموت هل يأتيه سهلاً هيناً، أم هو سيذيقه العذاب ألواناً، وحاول أن يتذكر ما سمع عن الغرقى، وهل يختنقون عاجلاً أم يبطئ عليهم الموت، وذكّره هذا العذاب بعذاب الله يوم القيامة، أليس الله قد حرّم الانتحار؟ أليست هذه النفس ملكاً لله وحده أودعها جسده أمانة ليستردها متى شاء، ليست له هو ولا يملكها، وليس هو الذي خلقها وأبدعها، وذكر أنه توجه إلى الله واستودعه حبيبته فكيف يلقى الله آثماً ويسأله عونها وحفظها. وتنبه إيمانه فتردد، ووقف... ثم عاوده التفكير في حياته بعد اليوم، وكيف تكون إن ذهبت منها متعة الحب، فرجع إليه يأسه وقنوطه وعزم عزماً مبرماً على الموت وأغمض عينيه، وخفق قلبه من هول ما يقدم عليه، وكاد يقفز ولكن... ولكن قوة لم يطق لها دفعاً، ولم يملك معها حراكاً أمسكت به... تلك هي الصيحة التي أحس بها من بعيد، ثم رآها امتدت حتى بلغت الأفق الذي أطل منه الفجر، والأفق الذي انغمس فيه الليل، ثم غمرت النهر والشاطئين والمدينة... فأحس بها تشرق على نفسه كهذا الفجر فتبدد ليلها، ذلك هو صوت المؤذن: ينادي في صفاء الليل وإصغاء الدنيا، أجلّ وأجمل نداء اهتز به هذا الفضاء ومشى فيه: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)).

وسمع: ((حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح)) فرأى فيها مجد الآخرة بالعبادة، ومجد الدنيا بالنجاح، وصبّت القوة والعزم في أعصابه فعدل عن الموت، ورجع إلى الدار فرأى فيها نساء من نساء الجيران سمعن صوتها، فجئن إليها، فسألهن عنها، وكانت مغمى عليها فحسبوها ماتت وأخبروه بموتها فلطم وجهه وشق ثوبه، وانطلق ماشياً على غير هدى تقذفه قرية فتتلقاه قرية، يضيفه الناس، وقد كان في الناس سلائق العرب وآداب الإسلام، يضيفون الغريب لا يسألونه من هو ولا يبتغون منه أجراً ولا شكراً، وجعل يطوي الأرض، والأرض تطوي صحائف عمره، حتى حطت به النوى في خراسان.

ولقي من عرفه فيها ومد إليه يده مسنداً معيناً فعاد إلى تجارته... وجعل يفكر لما استقر به المنزل في داره في بغداد، ويكتب الكتب ويسأل ويستنجد ويلح ويتوسل حتى كتب ستة وستين كتاباً (كذا في الأصل التاريخي)، ولم يرجع إليه جواب.

وأثرى وامتلأت يده بالذهب ولكن قلبه ظل خالياً من الحب. وما كان يوسع فيه الأسى مكاناً لحب جديد، فكان كلما احتواه العشية منزله، وأغلق عليه بابه جفا عالم الناس وراحت روحه تسبح في عالمه هو، عالم ذكرياته وماضيه الذي أحبه وافتقده ولم يجد منه بديلاً، فيشعر بحرارة تلك القبلات ويسمع وسوستها، ويلمس دفء ذلك العناق، ويستروح نسيم تلك الدار التي كانت جنة وارفة الظلال، فيها الروح والريحان وفيها من كل فاكهة زوجان، فصيّرها الحب قاعاً صفصفاً... ولكن تلك الخربة كانت أحب إليه من هذا القصر الذي يعيش فيه اليوم وحيداً لا يؤنسه فيه إلا الذهب.

وتصرمت السنون، وتتابعت خالية فارغة، حتى أقامت بينه وبين ليلة المخاض حاجزاً من الأيام سمكه ثمان وعشرون سنة، وهبّت على عمره رياح الخريف، فذوى غصنه، وكاد يدركه الجفاف، فأفزعه أن يموت بعيداً عن بغداد وعن داره التي ثوت فيها الحبيبة؛ فباع كل ما يملك بعشرين ألف دينار من الذهب، واشترى قماشاً وبضاعة حملها إلى بغداد، وسار في قافلة له ضخمة يؤم أرض الوطن... ولم يكن له من أمل إلا أن يقيم بهذا المال قبراً ضخماً للحبيبة ويجعل له فيه مكاناً، ولكن الدهر لم يبلغه حتى هذا الأمل، فقد خرج على القافلة اللصوص. فنهبوها، وقتلوا من فيها، ولم يتركوا منهم أحداً.

ونهض من بين الموتى، وسار على رجليه وقد تبلد ذهنه من عظم الفاجعة حتى ما يقدر على الحزن، ومشى حتى حاذى النهر، وجعل يمر على مغارس النخيل، ومشارع المياه، ومنابت الورد والفل، وهو سادر ساهم، كأنما يمشي في حلم، قد ماتت في نفسه كل رغبة إلا رغبة الموت... وماذا بقي له في الحياة بعدما فقد الحب، وفقد المال؟ ولكنه لم يشأ أن يموت إلا في داره ولم يرد أن يضم عظامه إلا الثرى الذي ضم أعظم الحبيبة كي يجاورها في الموت كما جاورها في الحياة. وتحامل على نفسه وقام يجر رجليه جراً، وكلما دنا من بغداد وأحس ريحها انتعش واشتد، وعاش بذكريات الحب الذي ذهب ولم يبق إلى عودته سبيل، وآنسه أن يرى مرة ثانية الديار التي شهدت صور هذا الحب، ولكنه أعيا أخيراً وسقط على الشاطئ ولم يعد يستطيع الحراك...

وجعل يفكر تفكيراً مبهماً ملتاثاً، يقطعه الجوع الذي يفري أمعاءه، والتعب الذي يهد عظامه، فيرى أنه كان في حلم وصحا منه... الدنيا كلها حلم كاذب: الحب، المال، والصحة والسعادة والمجد... لا يخلد شيء من ذلك ولا يبقى. لا يبقى منه إلا ذكرى تبعث ألماً، وتثير حسرة، وتحرق القلب. وتمنى أن لو كان خلق فقيراً منفرداً، ما عرف لذة الألفة، ولا متعة الغنى، وعاودته فكرة الموت التي كانت مرت بذهنه منذ ثمان وعشرين سنة، ولكن دينه منعه أن يختم حياته بهذه الخاتمة البغيضة، وأن يجمع على نفسه شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، وهبت عليه نفحة من نفحات الإيمان فاستراح إليها، وذكر أنه استودع فتاته الله، ولا تضيع عند الله الودائع، وأن وراء هذه الأحداث حكمة بالغة، وقدراً حكيماً. فاطمأن إلى حكمة الله وسلم أمره إليه ووجد بهذا الاطمئنان راحة وشبعاً...

وسمع صوت بوق يرعد على حاشية الأفق فنظر فإذا زلال (كلمة عباسية مولدة، معناها: السفينة الحربية) ضخم قد أقبل عليه، فلما حاذاه أشار ونادى، وسأل صاحبه أن يحمله إلى بغداد، وكان فيه أمير كبير، ولكن (الديموقراطية) كانت شعار العرب، وكانت سليقة فيهم، لا يمنع الأمير مجده أن يقف لفقير سائل ويحمله معه – فأدخله الزلال وأطعمه وخلع عليه ولم يسأله عن خبره لأن النوم قد غلب عليه فهجع كالقتيل قبل أن يسأل وقبل أن يجيب.

ولما أفاق كان المساء قد حل، وكانت بغداد قد بدت، وسربت الزوارق والسفن على سطح دجلة الفاتن تنشد لهواً وتبتغي لذة، وتملأ الضفتين نغماً سائغاً، وحباً ومجداً، وترنحت القصور طرباً، وانتشت الأرض أنساً، وتعانق النخيل وتشاكى الغرام، وتراقصت الأمواه في دجلة وتناجت الحب، وسكرت السفن وهامت، وسدرت بغداد في نشوة الظفر، وكانت بغداد هي الدينا، وكانت دار الخلافة، وكانت عاصمة الأرض، وكانت منبع العلم والفن، ومثابة الغنى والترف. وكان فيها الصلاح وفيها الفجور، وفيها الخيرات وفيها الشرور، وفيها من كل شيء... وكذلك تكون الدنيا.!

وكان دجلة يسير مزهوا طرباً. فقد بدأ سيره منذ الأزل، ورأى الحكومات تقوم وتقعد حتى مل قيامها وقعودها، وشهد من بأساء الحياة ونعيمها ما زهده في نعيمها وبؤسها، ورأى الأنام حتى كره مرأى الأنام، ولكنه لم يرَ أياماً أحلى، ولا مجداً أبقى، ولا أنساً أنقى وأتقى، من تلك الأيام وناسها.

وجاز الزلال بتلك السفن والزوارق الحالمة السكرى، كأنه البطل القوي يمر بالحسان في يوم عرس، فاجتمع على الصفحة الحب والحرب، والعز والهوى، هذا يمثله زلال القائد، وتلك تمثلها زوارق العشاق، وكان يمضي إلى غايته مسرعاً كأنه يسابق شعاع الشمس إلى الأفق الزاهي، وكان هو أيضا شعاعة من الشمس التي أضاءت الدنيا في هاتيك الأيام، فأشرقت على القلوب عاطفة وجمالاً، وعلى العقول علماً وكمالاً، وعلى المسلمين عظمة وجلالاً، وعلى الناس كلهم حضارة وتمدناً وسلاماً وأمناً، وأضاءت لهم طريق المجهول، وشقت لهم السبيل الموصلة إلى تحقيق المثل العليا في المجتمع البشري، تلك هي شمس بني العباس إذ كان بنو العباس سادة الأرض.

وأنزله الزلال على الجسر، حيث قام تلك الليلة، فأعاده الجسر إلى ماضيه، فأحس بأن هذه السنين كلها لحظة واحدة، وأنها صفحة قد سقطت من سفر حياته، فاتصل ما قبلها بما بعدها. ورأى الناس من حوله، فهمّ بأن يسألهم درهما ً يشتري به عدساً ودقيقاً وشيرجاً لامرأته التي أخذها المخاض، وأسرع يريد أن يدركها قبل أن يشتد بها الألم ثم انتبه فرأى هذا الحجاب الصفيق من الزمان يقوم بينه وبينها، ثمان وعشرون سنة ليست يوماً ولا يومين... دهر طويل ولد فيه ناس ومات ناس، عمر كامل...، وتهافت وخمدت هذه الشرارة من الأمل التي أضاءت في نفسه، وسار محطماً مكدوداً يبصر الوجوه من حوله فيراها غريبة عنه لا يعرفها، ويرى المسالك والدروب فيفتش عن ذكرياته فيها فلا يجدها... حتى بلغ الدار ونظر فإذا الخربة التي خلف فيها الحبيبة قد صارت داراً فخمة على بابها الجند و (الشاكرية) فوقف ينظر إليها من بعيد... هذه داره التي رجع إليها ليتخذ لنفسه من ثراها قبراً ولكنها أنكرته وأعرضت عنه. لقد عاد غريباً في بيته منكراً في بلده. إنه ميت يمشي بين الأحياء. لقد بحث عن أثر واحد من دنياه التي كان يألفها، فإذا كل شئ قد تبدل، فلا الوجوه بالوجوه، ولا الأمكنة هي الأمكنة! فيا ويح الزمان كيف صنع ذلك كله! هذا الجبار المخيف الذي يفعل الأفاعيل، ولا يحس به أحد ولا يبصره ولا يلمسه بيده... ثم استغفر الله وأناب إليه، إنه هو الفاعل المدبر، فلا الزمان ولا الأحداث بقادرة على شئ إنه هو وحده الذي يصرف الأكوان.

وولى ليعود ويضرب في الأرض حتى يموت، فما يبالي الآن أين يدركه الموت بعد أن حرم آخر أمانيه، وهو أن يواريه الثرى الذي وارى جسد الحبيبة، ولم تسل من عينيه دمعة، ولم يتحرك لسانه بكلمة وداع، ولم يفكر في شئ فقد تواردت الآلام على قلبه حتى صار هو كتلة من الألم جامدة تسمى قلباً، وتتابعت عليه المصائب حتى صارت حياته كلها مصيبة... ويئس من السعادة حتى ما عاد يفكر فيها، أو يؤلمه فقدها، وتلفت ليودع المكان الذي اصطفاه من دون الأمكنة، وأودعه أعز شئ عليه: حبيبته وذكرياته، ويشمله بنظرة فإذا هو يرى دكان بقال (كان يعرفه) لا تزال قائمة على العهد بها، كما يقوم الطلل البالي في المدينة العامر، فأسرع إليها.

"وكان فيها شاب حدث علم منه أن أباه البقال مات من عشرين سنة، وأن الدار لابن داية أمير المؤمنين المأمون وصاحب بيت ماله،" وأن لهذا الرجل قصة عجباً، فقد كان أبوه من سراة التجار، فاشترى جارية أولع بها وعكف عليها حتى افتقر، وجاءها المخاض فذهب يطلب لها شيئاً فلم يرجع، وأسعفها البقال أبو الفتى، وولد للرشيد مولود فطلبت له المراضع فلم يقبل ثدي واحدة منهن فدل على الجارية فقبل ثديها، وصارت ظئره وكان المولود هو أمير المؤمنين المأمون".

ويسمع الرجل القصة فيحس أن الأرض تدور به، فيمر بآلاف الصور والألوان، والشكوك والأماني، ثم يسأله: وأين أم الولد؟ ويحس أن هذه اللحظة التي أنتظر فيها الجواب، قد طالت حتى غدت دهراً، وأنه كالقائم ليسمع الحكم عليه بالبراءة أو القتل. فيقول الفتى: إنها باقية تغدو إلى دار الخليفة أياماً، وتكون مع ابنها أياماً، ولكنها لا تزال حزينة لم تمسح آلامها الأيام، ولم ترقأ دمعها.

ويدعه الرجل ويركض إلى الدار، يشعر أنه يمشي في الزمان، يعود أدراجه إلى عهوده الماضيات، إلى عهد الحب الضاحك، ولياليه المترعات بالقبل. لقد نسي في هذه الخطوات كل ما لقي من شقاء، وما حمل من ألم، وامتلأ قلبه شكراً لله الذي استودعه حبيبته وما في بطنها فما ضاعت عنده الوديعة، وهذه الحبيبه التي طالما بكاها يحسبها ميتة وجاء ليدفن جسده الواني بجانب رفاتها، قائمة تنتظره، لتمنحه عطرها وسحرها ونحرها، وهذا الجنين الذي خلفه على باب الموت قد غدا شاباً ممتلئاً قوة وأيداً ومالاً ومجداً.

ووصل إلى هذا الشاب، فقال له: ما تبغي؟

فخفق قلبه، وتلاحقت أنفاسه، وهمت مقلتاه، ولم يجد ما يمهد به الحديث، فقال له:

- أنا أبوك!

ونظر الشاب شاكاً، وقال له: اتبعني.

فاتبعه، فاجتاز به صحناً بعد صحن، حتى انتهى إلى مكان الحرم فأقامه أمام ستارة، وذهب ليسأل أمه، ودل الرجل قلبه على أن الحبيبة وراء الستارة فناداها، وإذا الستارة تهتك، والمرأة تثب إلى عنق الرجل، تبكي وتضحك، وتضحك وتبكي، وتقول ما لا تدريه...

ويدير الشاب وجهه فما يحسن به أن ينظر إلى أبواه وهما يجددان عهود الهوى والشباب.


،،، وتحياتي ،،،

الكاتب
09-18-2007, 03:18 PM
هذه بلا شك رائعة من روائع الشيخ على الطنطاوي

مشكور يا أبو سياف على إمتاعنا

خالد بن فريد بن محسن
09-20-2007, 12:43 AM
* حياك يا(الكاتب) وقريبا سنتحفكم برائعته الثانية بإذن الله .



،،، وتحياتي ،،،

مذاب
09-24-2007, 11:56 PM
قصة جميلة يا بوسياف, ننتظر القصة الثانية

تحياتي

خالد بن فريد بن محسن
09-25-2007, 09:47 PM
* حياك يا(مذاب) ونحن على وشك إخرج جميلته الثانية بإذن الله .


،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
10-01-2007, 12:28 AM
حكاية الهميان
ــــــــــــــــــــــــــــ



كان آذان الفجر يصعد من مآذن الحرم في مكة في أول يوم من رمضان سنة أربعين ومئتين للهجرة، فهبط على تلك الذرى المباركة قعيقعان وأبي قبيس،( اسم مكانين ) فينساب مع نسيم البحر رخيا ناعشا، يسحب ذيوله على تلك الصخور التي كانت (محطة) بريد السماء، ومنزل الوحي، ومنبع رحمة الله للعالمين، حتى يمسح ستور الكعبة، فيتنزل على من في الحرم تنزل النفحات الإلهية على قلوب عباد الله المخلصين.

وكانت صفوف المؤمنين قائمة للصلاة تدور بالكعبة من جهاتها كلها، صفوف في الحرم ترى الكعبة وتنعم بالقرب منها، وصفوف لا تراها ولكنها تتوجه إليها، وتبصرها بقلوبها، تقوم وراء الجبال الشم والبحار، في المدن والقرى، والصحاري والسهول، والأودية والقمم، والأكواخ، والسجون والمغائر، في القفار المشتعلة حرا، والبطاح المغطاة بالثلج... تتسلسل وتتعاقب لا تنقطع ما امتدت الأرض وكان فيها مسلمون.

**************

وأم أهل مكة الحرم، ولم يبق في داره إلا شيخ في السادسة والثمانين، محطَم عليه قميص مشدود بحبل، وقاموا للصلاة ما يستطيعون الوقوف مما حشدوا به بطونهم من طيبات الطعام، من كل حلوى وحامض، وحار وبارد، وسائل وجامد، ووقف يصلي وما يستطيع القيام من الجوع، فقد أمسك للصوم بلا سحور، ونام ليلته البارحة بلا عشاء، وأمضى أمسه من قبلها بلا غداء...

فلما قضى صلاته قعد على محرابه منكسرا حزينا، وما كان يفكر في نفسه فلقد طال عهده بالفقر حتى ألفه، وهوَن إيمانه الدنيا عليه حتى نسي نعيمها وازدراها، ولكنه كان يفكر في هذه البطون الجائعة من حوله، وهو كاسبها ومعيلها، وهذه المناكب العارية… ولو كان في مكانه رجل آخر قاسى الذي قاساه، ورأى الأغنياء يبذرون المال تبذيرا، ويضيعون الألوف بالباطل، على حين يحتاج هو إلى الدانق فلا يجده.. لثار على الدنيا، وذم الزمان، وحقد على الناس، ولكنه كان رجلا مؤمنا، وأن الناس لا يملكون عطاء ولا منعا، وأن ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

فقال: آه. الحمد لله على كل حال؟

وقام فنزع القميص، ونادى: يا لبابة. فجاءت امرأة ملتفَة بخرقة قذرة، فدفع إليها بالقميص وأخذ الخرقة فالتف بها… فقالت المرأة: يا أبا غياث، هذا ثالث يوم لم نذق فيه طعاما، وهذا يوم صيام وحر… فإذا صبرت وصبرت أنا فإن البنات والعجوز لا يقدرن على الصبر، وقد هدهن الجوع، فاستعن بالله، واخرج فالتمس لنا شيئا فلعل الله يفتح عليك بدوانق أو كسيرات ندخرها لفطورنا.

قال: أفعل إن شاء الله.

**************

وانتظر حتى علت الشمس وكان الضحى، فخرج يجول في أزقة مكة وطرقها، وكان الناس قد انصرفوا إلى دورهم ليقيلوا، فلم يلق في تطوافه أحدا. واشتد الحر وتخاذلت ساقاه، وزاغ بصره، وأحس بجوفه يلتهب التهابا من العطش، و كان قد صار في أسفل مكة فألقى بنفسه في ظل جدار. وكان من أكبر أمانيه أن يدركه الأجل فيموت مؤمنا، فيتخلص من هذا الشقاء وينال سعادة الأبد. وجعل ينكب التراب بيده، وهو سادر في أمانيه، فلمس يده شيء مستطيل لين فسحبها ونظر، فإذا هو بذنب حية مختبئة خلال التراب، فتعوذ بالله، ثم عاودته رغبته في الموت، وتمنى لو تلدغه فتريحه، ثم ذكر أنه لا ينبغي للمؤمن أن يطلب الموت، وإنما ينبغي له أن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني إن كان الموت خيرا لي. فقالها واستغفر الله. وعاد يرقب الحية فإذا هي ساكنة، فعجب منها، ولمسها برجله فلم تتحرك، فبحث عنها وحفر، فإذا الذي رآه حزام وليس بحية، فشده فجاء في يده (هميان) فيه الذهب، عرفه من رنينه وثقله، فأحس جوعه وعطشه قد ذهبا، وكأن القوة قد صبت في أصابعه، والشباب قد عاد إليه… وتصور أن سيحمل إلى نسائه الشبع والراحة، ويملأ أيديهن مما كن يتخيلنه ولا يعرفنه من نعيم الحياة، ورغد العيش، وجعل يفكر فيم يشتريه لهن، وكيف يلقين هذه النعمة التي ساقها الله إليهن، حتى كاد يخالط في عقله.

ثم تنبه في نفسه دينه، وعلا صوت أمانته يقول له: إن هذا المال ليس لك. إنما هي لقطة لابد لك من التعريف بها سنة، فإذا لم تجد صاحبها حلت لك.

وتصور السنة وطولها وهو يبحث عن عشاء يومه. وهل يبقى حيا سنة أخرى؟ وهل تبقى أسرته في الحياة؟ وماذا ينفعه أن يكون الذهب له بعدما مات من الجوع، ومات معه من يرثه؟… وأحس كأن قواه قد خارت، وودّ لو أعاد الهميان إلى مكانه، ولم يكن قد ابتلي هذه البلية… ولكنه كان رجلا فقيها يعلم أن اللقطة إن مست فلا بد من التعريف بها، وإن هو أرجعها إلى مكانها وفقدت كان المسؤول عند الله عنها، أما إذا لم يمسها فلا شيء عليه منها… وجعلت الأفكار تصطدم في رأسه، وتتراكض وتصطرع، حتى شعر أن عظم صدغيه سيتكسر من قرع الأفكار المتراكضة في رأسه، وطفق يسمع صوتا يهتف به أن: خذها فهي رزق ساقه الله إليك. ادفع بها الموت عن بناتك اللائي أطاف بهن الموت. أشبع بها هذه الأكباد الغرثى. أكس هذه الأجساد العارية. ثم إذا أيسرت ردّها إلى صاحبها، أو دفعت إليه دنانير ناقصة لن يضره على غناه نقصها..

ثم يسمع هاتف دينه يقول له: اصبر يا رجل، ولا تخن أمانتك، ولا تعص ربك. وعقد العزم على الصبر، واستعان بالله، وذهب إلى داره يخبأ الهميان حتى يجيء صاحبه… أو يحكم الله فيه..

**************

ودخل الدار متلصصا، فرأته امرأته فقالت: ما جاء بك يا أبا غياث؟

قال: لاشيء. وأحب أن يكتمها خبر الهميان، وما كان يكتمها من قبل أمرا.

قالت: بلى والله؛ إن معك شيئا، فما هو؟

فخاف أن تراه فيستطار لبها… فقص عليها القصة، وكانت امرأة تقية دينة، ولكنها أضعف منه إرادة، وأوهن عزما فقالت: افتحه، وخذ منه دنانير اشتر لنا بها شيئا، فإننا مضطرون والمضطر يأكل الميتة…

قال: لا والله، ولئن مسسته أو أخبرت خبره أحد فأنت طالق.

وتركها مغيظة محنقة وخرج يبحث عن صاحبه، لعله يأخذ منه شيئا حلالا يدفع به الضر عن عياله.

**************

ومشى إلى الحرم، وكان فيه شاب طبري طالب علم.

قال الشاب الطبري: (فرأيت خراسانيا ينادي، يا معشر الحاج من وجد هميانا فيه ألف دينار فرده علي، أضعف الله له الثواب. فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير من موالي جعفر بن محمد، فقال: يا خراساني، بلدنا فقير أهله، شديد حاله، أيامه معدودة، ومواسمه منتظرة، ولعله يقع في يد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالا فيأخذه ويرده عليك.

قال الخراساني: يابا ( بلهجته ) كم يريد؟

قال: العشر، مئة دينار.

قال: يابا. لا نفعل ولكن نحيله على الله تعالى).

وافترقا. قال الطبري: فوقع في نفسي أن الشيخ هو الواجد للهميان فاتبعته، فكان كما ظننت، فنزل إلى دار مسفلة زرية الباب والمدخل، فسمعته يقول: يا لبابة.

قالت: لبيك أبا غياث.

قال: وجدت صاحب الهميان ينادي عليه مطلقا. فقلت له: قيده بأن تجعل لواجده شيئا، فقال: كم؟ قلت: عشره. قال: لا نفعل، ولكنا نحيله على الله عز وجلّ، فإيش نعمل؟ لابد لي من رده.

فقالت له: نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمي وأنت تاسع القوم).

يا أبا غياث إن الله أكرم من أن يعاقب رجلا يحيي هذه الأنفس. إنك لم تسرقه ولم تغصبه، ولكن الله هو الذي وضعه بين يديك، فلا ترفض نعمة أنعم الله عليك. إن الله يسألك عن هؤلاء النسوة…

قال الطبري: ونظرت في وجه الشيخ فأحسست مما بدا عليه أنه قد تصور بناته جائعات عاريات، والعجوز المسكينة أم لبابة وقد جف جلدها على عظمها فصارت كأنها الحطبة الجوفاء، تتردد فيها الأنفاس، ففاضت نفسه رقة عليهن فسال دمعه على شيبته، ورأت المرأة ذلك فازداد طمعها فيه… ثم رأته يعبس وتبدوا عليه الصرامة لقد ودّ لو استعان بشيء من هذه الدنانير… ولكنه ذكر أنه صبر خمسين سنة فما كان ليضيع هذا كله في لذة يوم، وذكر أنه على شفير القبر، وأنه سيلقى الله، فما كان ليلقاه خائنا أمانته، أما عياله فلهم الله، والله أرأف بهم وأشفق عليهم، وشد من عزمه، وصاح بها:

(لست أفعل، ولا أحرق حشاشتي بعد ست وثمانين سنة).

قال الطبري: (ثم سكت وسكتت المرأة. وانصرفت أنا).

**************

وأذن المغرب، وقعد الشيخ ونساءه على كسيرات وتمرات، التقطها لهم… وقعد الناس من حولهم على الموائد الحافلات بشهي الطعام، تفوح من بيوتهم روائح الشواء والحلواء، يأكلونها ويستمتعون بها، وينسون أن رمضان شهر الإنسانية والإيثار، وأن الله ما فرض علينا الصيام للجوع والعطش والعذاب… ولكن ليذكرنا هذا الجوع الإختياري الموقوت، أن في الدنيا من يجوع جوعا إجباريا، لا حد له ينتهي عنده، وليكون لنا من أعصابنا وجوارحنا، مذكر بالإحسان.

فمن يقعد على مائدته الحافلة بالطعام، وجاره يتلوى من الجوع، لا يفكر فيه، ولا يشاركه طعامه، فما صام ولا عرف الصيام، وإن جاع نهاره كله وعطش…

إن العادة تضعف الحس، وإن إلف النعيم يذهب لذتها، فأوجب الله الصيام علينا لنذوق مرارة الفقد فنعرف حلاوة الوجدان، ولنشتهي في النهار لقمة من الخبز الطري، والجرعة من الماء البارد، فنعلم أن هذه اللقمة الطرية، وهذه الجرعة الباردة، نعمة من النعم، فلا ندع الإحسان مهما كان قليلا، ولا نزهد في صدقة نقدر عليها. ولقد كان لإبراهيم الحربي رغيف كل يوم ليس له سواه، فكان يترك منه كل يوم لقمة حتى إذا كان يوم الجمعة أكل اللقم وتصدق بالرغيف…

كان الشيخ يفكر في هذا، فيألم لما صار عليه حال المسلمين، ثم يذكر أن الله هو ملهم الخير، ومصرف الأرزاق، فيحمده حمد رجل مؤمن راض.

وأمضى ليلته الرابعة بلا طعام، لأنه ترك التمرات والكسيرات للعجوز والبنات يتبلغن بها…

**************

قال الطبري: (فلما كان من الغد سمعت الخرساني يقول: معاشر الحاج ووفد الله من حاضر باد، من وجد هميانا فيه ألف دينار ورده أضعف الله له الثواب. فقام الشيخ إليه، فقال: يا خرساني قد قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله فقير قليل الزرع والضرع، وقد قلت لك أن تدفع إلى واجده مائة دينار فلعله يقع في يد رجل مؤمن يخاف الله عز وجل، فامتنعت. فاجعل له عشرة دنانير منها فيرده عليك ويكون له في العشرة ستر وصيانة.

فقال له الخرساني: يابا. لا نفعل ولكن نحيله على الله عز وجل.

ثم افترقا…

فلما كان اليوم الذي بعده سمعت الخرساني ينادي ذلك النداء بعينه، فقام إليه الشيخ. فقال: يا خرساني: قلت لك أول أمس العشر منه، وقلت لك أمس عشر العشر عشرة دنانير فلم تقبل، فأعطه دينارا واحدا عشر عشر العشر، يشتري بنصف دينار قربة يسقي عليها المقيمين بمكة بالأجرة وبالنصف الآخر شاة يتخذها لعياله.

قال: يابا. لانفعل ولكن نحيله على الله عز وجل)).

فرأى الشيخ أن لا حيلة له فيه، وانقطع آخر خيط من حبال آماله، وتوهم حالة بناته وأختيه وزوجته وأمها… وأن هذا الخرساني منعهم دينارا واحدا من ألف يدفعون به الجوع والعري، والموت الكامن وراءهما، ورأى الألف كلها بيده فحدثته نفسه بأن يمسكها، أو يدفعها إليه ناقصة دينارا، ولكنه ذكر الله والحساب فاستعاذ بالله من هذا الخاطر، وهل يشتري الشقاء الدائم باللذة العاجلة، وهو يعلم أن لذات الدنيا كلها لا تنسي كربة واحدة من كرب يوم الحشر، وشقاءها كله تذهبه نفحة واحدة من نفحات الجنة؟

لا والله، ولقد روي أن (( من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه)) فترك له الهميان، وقال للخرساني: تعال خذ هميانك…

فقال له: امش بين يدي…

قال الطبري : ((فمشيا وتبعتهما، حتى بلغا الدار. فدخل الشيخ فما لبث أن خرج، وقال: ادخل يا خرساني، فدخل ودخلت، فنبش الشيخ تحت درجة له فأخرج هميان أسود من خرق غلاظ، وقال: هذا هميانك؟

فنظر إليه، وقال: هذا همياني.

ثم حلّ رأسه من شد وثيق ثم صب المال في حجره وقلبه مرارا، ثم قال: هذه دنانيرنا.

وكانت لبابة والبنات ينظرن من شق الباب إلى الذهب الذي نسين لونه وشكله، وحسبنه قد فقد من الأرض، كما ينظر الجائع إلى قدور المطعم… يتمنى منه لقمة يشد بها صلبه…

((وأعاد الرجل الذهب إلى الهميان وشده. ووضعه على كتفه وقلب خلقانه فوقه وخرج)).

ولم ينظر، في وجه الشيخ، ولم يلق في أذنه كلمة شكر.

وأحست لبابة كأنه قد اختطف وحيدها، وكأن شعبة انخلعت من قلبها، فطارت وراءه، وشده البنات، ولبثن مفتوحات الأشداق دهشة وذهولا… فلما ابتعد وأيسن منه سقطن على وجوههن من الجوع والضعف واليأس…

وسمع الشيخ حركة، فنظر فإذا الخراساني قد رجع… فرفع إليه رأسه ينظر ماذا يريد، وكان أولى به أن يعرض عنه، وأن يبغضه، وقد منعه دينارا واحدا يحيى لو جاد به على هذه الأنفس المشرفة على الموت، ولكن الشيخ كان رجلا سمحا لا يتسع قلبه لبغضاء، فقام إليه وسأله عما رجع به، فقال الخراساني:

((يا شيخ، مات أبي وترك ثلاثة آلاف دينار، فقال: أخرج ثلثها ففرقه في أحق الناس عندك ، وبع رحلي واجعله نفقة لحجك، ففعلت ذلك، وأخرجت ثلثها ألف دينار، وشددته في هذا الهميان، وما رأيت منذ خرجت من خراسان إلى الآن رجلا أحق به منك، فخذه بارك الله لك فيه. ووضعه وولى)).

قال الطبري: (( وكنت قد ذهبت فما راعني إلا الشيخ يسرع خلفي يدعوني فرجعت إليه فقال لي: لقد رأيتك تتبعنا من أول يوم، وعلمت أنك عرفت خبرنا، وقد سمعت أحمد بن يوسف اليربوعي يقول: سمعت نافعا يقول: عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر ولعلي رضي الله عنهما: إذا أتاكم الله بهدية بلا مسألة ولا استشراف نفس فاقبلاها، ولا ترداها فترداها على الله؛ فهي هدية من الله والهدية لمن حضر)) فسر معي.

فسرت معه. فقال لي: إنك لمبارك، وما رأيت هذا المال قط، ولا أملته قط، أترى هذا القميص؟ إني والله لأقوم سحرا فأصلي الغداة فيه، ثم أنزعه فتصلي فيه زوجتي وأمها، وبناتي، وأختاي، واحدة بعد واحدة، ثم ألبسه وأمضي أكتسب إلى ما بين الظهر والعصر، ثم أعود بما فتح الله علي من أقط وتمر وكسيرات كعك، فنتداول الصلاة فيه…

حتى إذا وصلنا إلى الدار نادى: يا لبابة يا فلانة وفلانة، حتى جئن جميعا فأقعدني عن شماله؛ وحل الهميان وقال: أبسطوا حجوركم، فبسطت حجري، وما كان لواحدة منهن قميص له حجر تبسطه فمددن أيديهن، وأقبل يعد دينارا دينارا، حتى إذا بلغ العاشر قال، وهذا لك، حتى فرغ الهميان فنال كل واحدة منهن مائة دينار ونالني مائة)).

*********

ولما أذن المغرب وحف نساء الشيخ بمائدة كموائد الناس، عليها الطيبات من الطعام، قال لامرأته: أرأيت يا لبابة؟ إن الله لا يضيع أجر الصابرين، إن الله هو أرحم الراحمين، يا لبابة، لقد منعنا أنفسنا دينارا حراما، فجاءنا الله بألف حلال. وأكل الشيخ لقيمات، ثم قام ليخرج، فقالت له امرأته: إلى أين يا أبا غياث؟

قال: أفتش، فلعل في الناس فقيرا صائما، لا يجد ما يفطر عليه، فنشركه في طعامنا...

ذيل القصة:

قال الشيخ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:

((وقد نفعني الله بهذه الدنانير فتقوتٌ بها، وكتبت العلم سنين، وعدت إلى مكة بعد ست عشرة سنة فوجدت البنات ملكات تحت ملوك، وعلمت أن الشيخ توفي بعد ما فارقته بشهور، فكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن فأروي لهن القصة، ويكرمونني غاية الإكرام. وسألت عنهم بعد ذلك بأربعين سنة فعلمت أنه لم يبق منهم أحدا، رحمة الله عليهم جميعا)).


بقلم: علي الطنطاوي



،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
11-21-2007, 11:17 AM
عشيَة وضحاها


هبطت ليلة الثلاثاء (15 رجب 484 هـ) على قصر الملك الشاعر، وهو لا يزال على العهد به مذ عشرين عاماً، سابحاً في النور, رافلاً في حلل النعيم, ولا يزال أهله سادرين في أفراحهم واثقين بدهرهم, مطمئنين إلى سعدهم, ولم يخفهم ما رأوا البارحة من طلائع الفاجعة ونذرها إذ أطبقت سحبها سوداً متراكماً ترتجس بالرعد, وتنبجس بالبَرَد، وتعزف رياحها الهوج العاتيات.. لأنهم كانوا على يقين من زوالها, وكانوا يرجون من بعدها صباحاً طلقاً, ضاحك الطلعة, ساجع الطير, مزهر الروض.

كذلك عودتهم الأيام حين غمرتهم بنعمها, وأفاضت عليهم متعها، لم تمسك عنهم خيراً يطمع فيه عاشق ولا شاعر ولا ماجد شريف. وكان للملك من نفسه الكبيرة جيش إذا افتقد الجيش، وكان عظيم الثقة بها، والاعتماد بعد الله عليها، وكان فذاً قد جعلته خلائقه وما ورثه الجدود، بطلاً من الأبطال، فلم تنل من حماسته هذه الأحدث التي كرَت عليه فجأة بعدما طال أنسه بالدعة، وبعدما نام عنه الدهر فطالت نومته، وأضفى عليه ثوب السعادة فامتدت سعادته.

وكان قد نزل به في يومه، ما لو نزل بملك غيره لطارت نفسه شعاعاً، فحار وسُقط في يده، فلم يعرف له مضطرباً. أو انصدع قلبه، وانخلع فؤاده، واستسلم، ولكن المعتمد بن عباد لم يكن ليذل وليجزع، بل احتمل هذه الشدائد، صابرا عليها؛ معداً العدة لدفعها.

لقد تجمعت عليه في يومه بلايا ثلاث، كانت كالحلقات في سلسلة أسره، انقلب عليه حليفه القوي أمير المؤمنين ابن تاشفين الذي أعانه على حرب الإسبان، وجاءته الأخبار عنه أنه قطع المجاز أمس بالخميس العرمرم ولم يعدّه هذه المرة للأسبان، ولم يسقه ليذودهم به عن الوطن الإسلامي، وإنما أعده لحرب ابن عباد، وساقه، عليه ليزيله به عن عرشه، ويقتلعه من كرسيه. ولقد أذكى ابن تاشفين عن حميّة جنده، بأن أراهم في هذا الزحف قربة إلى الله، وأنه في سبيله، وأنه ما أراد به إلا عز الإسلام، بحطم هذه العروش الصغيرة، وهذه الممالك المزورة:

ألقاب مملكة في غير موضعها * * * كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

فقد أطمع هذا التفرق العدو، حتى أقدم على هذه الدويلات، فذلت له وخضعت، ورضحت له بالاتاوة، وكان الأعداء هم يؤدونها عن يد وهم صاغرون وما ينبغي للمسلمين إلا دولة واحدة، عليها أمير واحد، وما جزيرة (الأندلس) إلا ولاية في دولة المسلمين..

بذلك أضرم أمير المسلمين الحماسة في صدور قواده وجدنه البربر، فأقبلوا يطوون المراحل شوقاً إلى حرب هذا الذي فرق جماعة المسلمين، وأطمع العدو فيهم، (المعتمد) الذي كان بالأمس الداني صديقهم وحليفهم، وكان وصيفهم، وكانوا يتغنون بما رأوا منه من عجيب الكرم، وما أوتيه من بارع الخلال.

ثم أن هؤلاء الأجناد الذين كان بعث بهم أمير المسلمين ليكونوا في ثغور الأندلس جنداً للمعتمد وعوناً له على عدوه وعدو الإسلام: الإسبان، واختارهم – لغرض يريده – من فرسان المرابطين، وأهل الشدة والنجدة فيهم، هؤلاء الفرسان قد تركوا بالأمس ثغورهم لما بلغهم زحف أميرهم، وأقبلوا على حرب الملك العربي النبيل يؤثرونها على مواقعة الإسبان، ومروا يطحنون في طريقهم الأرباض والقرى، يأخذونها أخذ الفجاءة، ويدعسون مآثر العمران ويحطمون الجنان. وجابوا في هذه الكرة الجائرة أودية كانت تميس بغلائل الربيع، وربا حالية بالزهر، وضياعاً عامرة ممرعة، فتركوها من ورائهم قاعاً صفصفاً، وخلّوها بلاقع، فكأنما مرت عليها ريح سموم محرقة لا تبقي ولا تذر!

وكانت ثالثة الأثافي، هذه الثورة التي قدح زنادها، ونفخ فيها دعاة الخصم المغير، ومن شرى ضمائرهم بماله، فكادت تجعل على المعتمد دارة ملكه ناراً، ولكن الله أمكنه منا فأطفأها قبل أن تضرى، وحكمه في مجرميها، فأبى له نبل محتده، وكرم طبعه إلا العفو عنهم عفو القادر المتمكن، وحباءهم حباء الجواد المحسن!

* * * * * * * * *

لم يحفل الملك وقطَان قصره هذه الرزايا، وعادوا منها بما عودتهم الأيام، من غلبة الجد وتمام السعد، وظنوها في جنب ما ألفوا من الخفض، وعرفوا من اللين، كالخال الأسود في وجه الغانية الغيداء، لا يجيء ليسوده، ولكن ليتم جمال بياضه. والخدر يعرف الصحيح قيمة صحته، وسحابة الصيف لا تغيم حتى تنقشع..

وأوى الملك إلى سريره بعدما صرم أكثر ليله، يعدّ قوته، ويقيم مسالحه، وكان يؤنسه أن يسمع في هدأة الليل إلى هذا الهتاف البعيد، وإلى صليل الأبواق، وهزيم الطبول، وهو يطرز حواشي السكون في هذا الليل الساجي، إنهم جنده الذين خاضوا معه لجج القتال المر، وشاركوه جني النصر الحلو، على أبواب قرطبة دار الصِيد الأعزة من بني أمية، يوم فتحت له أبواب قرطبة، وفي (الزلاقة) يوم ساق (الأذفونش) فيالقه وجيوشه، ليمحو بزعمه الإسلام من الأندلس فمحي جيشه، ولولا المعتمد وجنده ما هزم الأذفونش، ولكان المرابطون هم أصحاب الهزيمة يوم الزلاقة..

وأغفى الملك وهو يداعب ذكر ذلك الظفر، ويطوي سمعه على ضجيج جيشه الذي يحبه ويعتز به، ويود لو أن هذا الجيش قصر عزمه وبأسه على قتال الإسبان ولم يسيء إلى البطولة بحربه الإخوة المسلمين.. ورأى الملك في منامه كأن هذا النشيد المدوي الذي نام عليه قد قوي واستفاض، حتى رجعت أصلاد إشبيلية صليله وعزيفه، وعظم أرعاد تلك الطبول حتى أوشك أن يهز سريره بين جدران قصره، وخالطه صراخ وضوضاء، ففتح عينيه وأفاق مرتجفاً، وأصاخ فسرعان ما أدر: أنه العدو قد طرق المدينة، وإنهم فرسان البربر الذين قلبوا له ظهر المجان، فتخلوا عن ظهورهم حيال الإسبان، وأقبلوا عليه إقبال الذئاب الكواسر.. أولئك هم الذين كانت تؤنسه أصواتهم، فيطوي عليها سمعه حين أغفى.

* * * * * * * * *

وتلفت حوله فلم يجد إلا حرس القصر، وما كان حرس القصر رجال حرب، ولا فرسان ضراب؛ وأحس بالخطر، ورأى أنه قد كاد يفقد كل شيء. ولكنه لم يفقد الشرف ولا الشجاعة ولا النبل:

إن يسلـب الـقـوم العـدى * * * ملكي وتسلمنـي الجمـوع
فالـقـلـب بيـن ضلوعـه * * * لم تسلم القلـب الضلـوع
لم أستلب شرف الطباع أيسـ * * * ـلب الشـرف الرفـيـع

ولا يزال سيفه في يديه، فخرج به وما عليه إلا غلالة رقيقة، لم يمهلوه حتى الألبسة ويدّرع.

وأراد حرسه وأهله أن يجنبوه هذا الهلاك الأكيد، وأن يحسنوا له الموادعة حتى تنكسر حدة الهجوم، وتمكن البادرة:

قالـوا الخضـوع سيـاسـة * * * فليبد منك لهم خضوع
وبرزت ليس سوى القميـص * * * عن الحشا شيء دفوع

فأبت له مروءته وحميته، ونفس تعاف العار حتى كأنما هو الكفر يوم الروع، أو دونه الكفر، وأبت له ذكريات نصر ومواريث الجدود...

وألذ من طعم الخضوع * * * على فمي السم النقيع

أمن الموت يفر وقد كان يتعشّقه ويطلبه ويسعى إليه، ولا يفكر إذا خرج للقائه في أهل ولا ولد.

ما سرت قط إلى القتال * * * وكان من أملي الرجوع
شيم الأولى أنـا منهم * * * والأصل تتبعه الفـروع

ولكنه كأنه يريدها موتاً شريفاً نقياً كالفتاة المكنونة في الحجاب، لم تدنسها نظرات الإثم ولم تعلق بجمالها الريب، وكان يهوى لقائه الملحمة الحمراء.

فيلحقه فيفر منه وأرى ويتأبى عليه! أما هذا الموت الذي يقبل عليه في غرفته كاللص، ويلقاه في ضيق الدهاليز لا في رحب الميدان، وفي سدفة الليل لا في سفر النهار، ويريده في غلالة الشاعر لا في درع البطل، فهو لا يطلبه ولا يحبه، بل لقد أحنقه ذلك عليه ، وملأ صدره غيظاً منه، وكرهاً له، حتى نذر لئن واجه الموت هذه الليلة ليقتلن الموت !

ولئن هو لم يقتل الموت، فلقد أحيا لمملكته الحياة، ولقد وفى نذره فرد هذه الغاشية التي اقتحمت عليه حصنه، على حين غفلة من أهله.

* * * * * * * * *

وضوّأ النهار إشبيلية، وهي مقسمة الفؤاد بين فرح بالنصر، وجزع من الخطر، وكان جند الملك الأشاوس قد وقفوا للدفاع عنها، لا يفتؤون كلما سمعوا همة ريح، أو هدير نهر، أو صفير طائر، أو نبأة خفية بين الأرض والسماء، يثبون إلى سيوفهم، يتطلعون أبداً إلى الطرق، من فرط تشوقهم للقاء هذا الخصم المغير، الذي كان بالأمس الحليف النصير... فإذا لم يروا أحداً، رجعوا إلى مسالحهم، يقظين مترقبين. وكانت الحصون حول البلد وفي أطراف المملكة، محشوداً فيها الجند من كل كمي كأن قلبه من ثباته جلمد الصفا، وكان في أكبرها وأمنعها. شبلا ذلك الأسد، وفرعا تلك الدوحة الكريمة الباسقة، الراضي بالله والمعتد بالله، ولدا المعتمد بن عباد.

وكان عصر ذلك اليوم وأهل إشبيلية لا يزالون يتغنون بأثرة الملك الفارس، وقد فترت يقظة الجند حين توالى الأمان، واطمأنوا إلى بعد العدو، فاستراحوا قليلاً بعد هذه الليلة الجاهدة؛ في تلك الساعة صرخ النذير، كما ينفخ في الصور، فتجمع العسكر المكدود على عجل، وصدمتهم فرسان البربر، من جهة البر، ومن الوادي، صدمة تحط الصخر من ذراه، ولكنهم وجدوا المعتمد أثبت من الصخر، وأيقظ من الصقر، فارتدوا بعدما فعلوا بالمدينة فعل الزلزال.

واستراحت إشبيلية أياماً، ثم جاء يوم الواقعة !

* * * * * * * * *

وفي يوم الأحد 20 رجب سنة 484 هـ ارتجت إشبيلية بأضخم جيش وطئ ثراها، جيش أمير المسلمين ابن تاشفين، الذي حشد له من غطارفة المرابطين كل بطل غَشَمشَم يقوده ابن أخيه، كبش القوم وفارسهم، سير بن أبي بكر، وجمع له فيه من قبائل البربر جنا مقاتلة، كأنهم من طول ما ألفوا الخيل، قد ولدوا على ظهورها، بعدة لهم ضخمة وعديد، فسدوا مطلع الشمس، وحطوا على البلد حط الجراد، وطوقوه تطويق القيد، وانضم إليهم فرسان الثغور، ثم أطبقوا على ابن عباد كالسيل الآتي الدفع.

أثار المعتمد في نفوس جنده حميتهم وكبرياءهم، وأنشدهم أبرع أناشيد البطولة، ولون لهم الموت بأجمل الألوان، وعرض عليهم تحاسين المجد وتهاويله، فثبتوا وجاؤوا من فنون القتال بأعجبها وأشرفها، وناضل الملك البطل حتى لم يبق مناضل، وضارب حتى تحطمت في يده السيوف، ودافع حتى استنفد آخر نقطة من القوة البشرية التي أودعها الله فيه، ثم سقط مغسلا بدماء جراحه، وتحطم السد فانطلق السيل… ونفضت قصور الملك من غيدها وكنوزها، فعادت أطلالاً… وهوى الصرح الذي أقامه النبل والحزم والكرم الغر البهاليل بنو عباد.

* * * * * * * * *

إن البطل الحق لا يستهويه الظفر حتى يستخفه، ولا تهزه الهزيمة حتى تسحقه، بل يتلقاها بعزم وجلد وفؤاد ثابت، وكذلك فعل المعتمد فلم تذل نفسه، ولم يضرع، ولم يتهافت. بل تلقى قضاء الله تلقي المؤمن… وكتب إلى ولديه يستنزلهما من حصنيهما، حين قسره الغالبون فلم يجد إلا ذاك، وكتبت السيدة الكبرى أمهما، وكانا في حصنين أمنع من النجم. تهاوت الحصون وهما ثابتان… ولكن ماذا ينفع حصنان، وقد باد الملك، وماد العرش، وساد المرابطون.

فلما أطاعا ونزلا قتل الراضي على باب حصنه، واستصفي مال أخيه وترك على شر حال، ثم اقتيد المعتمد وأهله مجردين من الأموال، مقيدين بالقيود الثقال، ليلقوا ما قدر عليهم في صحراء المغرب.

* * * * * * * * *

كان إذا خرج موكب المعتمد أطلت عليه كل فتاة في حمص (حمص المغرب هي إشبيلية وتدعى الجنة) تختزن صورته لتزين بها أجمل رؤاها، وأحلى أحلامها، وتطلع إليه كل شاب ينقش رسمه على شفاف قلبه ليجعله مثلاً له في المعالي، وملأ عينه منه كل أندلسي، لأنهم كانوا يحسون أنه عز لهم وفخر، وأنه حبيب إلى قلب كل أندلسي، وإن عاد مظفراً قاموا على طريقه يرشقونه بأجمل أزهار الجنة.

أما اليوم فقد خرجوا بغير ورد ولا زهر. خرجوا وما أعدوا إلا عيوناً تبكي لو استطاعت بدل الدمع دماً، وقلوباً تفديها بحبّاتها لو كانت تملك الفداء، وجرى النهر ذلك اليوم متطامناً خافت الخرير، ولا يصخب ولا يهدر، كأنه هو الآخر قد أحس بالآلام:

والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا * * * من لؤلؤ صافيات فوق أزباد

وكانوا ساكتين قد عقدت الذهلة ألسنتهم. وأمسكت الأحزان وسيوف المرابطين أفواههم، حتى الأطفال لم يكن فيهم من يصرخ أو يبكي، حتى إذا قُدمت بنات الملك الأسير يجرهم جند من البربر جرّ الشياه إلى المسلخ وقد:

حط القناع فلم تستر مخدرة * * * ومزقت أوجه تمزيق أبراد

أوجه تزري بالأقمار، وأجسام ألطف من الياسمين الغض، وأرق من شعاع البدر على البحرية الصافية في ليلة غرام. ثم طلع الملك لا تاج على رأسه، ولا سيف في يده، ولا ولاء يخفق على هامته، ولا جند من حوله يفدونه بالأرواح، ويبذلون دونه حر الدماء؛ بل حوله جند من البربر، وفي يديه قيود ثقال، وما عليه إلا أطمار – تفجرت الأحزان مدامع، وانشقت القلوب صرخات، وتحركوا لنصرة الملك، ولكن البربر كانوا خلالهم ومن فوقهم ومن تحتهم…

حان الوداع فضجت كل صارخة * * * وصارخ من مفداة ومن فادي

ووضعوا الملك في السفينة، ومن حوله نساءه وبناته مقرونات بالحبال، مطرقات كاسرات الطرف، تلوح قطرات دموعهن في ضياء الشمس كاللآلىء:

حموا حريمهم حتى إذا غلبوا * * * سيقوا على نسق في حبل مقتاد

ورفع الملك رأسه ونظر إلى جنده، وانتزع من آلامه ابتسامة لاحت على شفتيه كما تلوح خيوط الشمس لحظة، خلال السحاب، في يوم غائم، وحاول أن يقول فضاع صوته في عويل الناي، وصخب البربر، وأراد أن يشير بيده التي طالما هز بها أعواد منبر، وطالما أشار بها إلى ظفر. فحركت إليه الكتائب السود، وطالما أغنى بها فقيراً، وفك أسيراً، وأجاز شاعراً، وفعل بها المكرمات؛ أراد أن يشير بها فأثقلها حديد القيود، فأحنى رأسه وأطرق و…

سارت سفائنهم والنَوح يتبعها * * * وكأنها إبل يحدو بها الحادي

* * * * * * * * *

وعاد الناس إلى بيوتهم وما يصدقون أنهم فقدوا المعتمد بن عباد… أفي عشية وضحاها يطمس كتاب كله مجد وكرم، ألِف في عشرين سنة؟ ألم يعد يطلع عليهم موكب الشاعر الذي يغني للحياة أجمل أغانيها، ولا الفارس الذي ينظم للبطولة أروع أناشيدها. إنهم لا يستطيعون أن يصدقوا، فهرعوا إلى تلك القصور، التي ارتضاها لسكناه المجد، واختارها الفن وأقام فيها النبل فلما بلغوا أسوارها لاحت لهم من بعيد كأنها لا تزال عامرة بالملك الهمام. فلما اقتربوا منها لم يصافح أسماعهم صوت شاعر بنشيد، ولا قائد بنداء، ولم تأخذ أبصارهم علماً يخفق، ولا راية ترفرف، ثم بدت لهم الرياض، وقد جف نبتها، وصوّح زهرها، والدور قد هدمت جدرانها وهدت أركانها. وإذا القصر الذي كان يعبق بريا القرنفل، وشذا الفل، تفوح منه روائح الموت. وإذا تلك الغرف والمقاصير التي كانت تسطع فيها الأضواء، فترقص أشعتها على العمد المزخرف، والأساطين المنقوشة؛ قد محي نقشها، وطمس زخرفها، وعشش فيها البلى… هناك علموا أنها قد وقعت الواقعة وكان ما قدر الله أن يكون:

عرينة دخلتها النائبات على * * * أسـاود لهـم فيهـا وآسـاد
وكعبة كانت الآمال تعمرها * * * فاليوم لا عاكف فيها ولا بادي

فمن للعفاة تعمهم جداوه؟ من للجيران تحميهم بواتره وتحييهم عطاياه؟ من للفرسان الغطاريف يقودهم إلى النصر، حين يخفى على الدليل سبيل النصر؟

لقد ذهب من كان لهم… فيا من يقصد الملك الشاعر، إنه لم يبقَ هنا ملك، إنها قد خلت منه داره، وبعد مزاره:

يا ضيف، اقفز بيت المكرمات فخذ * * * في ضم رحلك واجمع فضلـة الزاد
ويـا مؤمـل واديهـم ليسكنـه * * * خف القطين وجف الزرع في الوادي
وأنت يا فـارس الخيل التي جعلت * * * تختـال في عـدد منهـا وأعـداد
ألقِ السـلاح وخلّ المشرفي فقـد * * * أصبحت في لهوات الضيم العـادي

* * * * * * * * *

ضلت سبيل الندى يا ابن السبيل فسر * * * لغير قصد فما يهديك من هادي

كذلك ذهب الملك الشاعر البطل الذي كان في ملوكيته وفنه ونبله، تمثالاً للإنسان الذي كانت تتمنى كل حامل في الأندلس أن تلده، كل ناشئ متطلع إلى العلا أن يكونه.

الملك، الذي كان زمانه كله فجراً رخياً ناعماً، وأيامه كلها ربيعاً بهياً باسماً.

الشاعر، الذي كان شعره لحن كل قلب مدلهّ بالجمال، مفتون بالفن.

البطل، الذي بنى لقومه مفاخر في السناء ومآثر.

وكذلك ألقى الستار (بين عشية وضحاها) على ملحمة فخمة فيها أجمل مشاهد الهوى والشباب، والبطولة والظفر، والسماحة والكرم، والشعر والطرب، والغنى والترف، ورفع عن مأساة من أفجع المآسي التي (عرضت) على مسرح هذا الكون! (ولعل الله يلهم هذا القلم الضعيف حديث المأساة ليكتبه للقراء).


بقلم: علي الطنطاوي


،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
07-22-2008, 12:32 PM
في بيت المقدس


كانت (مارييت) تدور في البيت، ما تستطيع أن تستقر، من جزعها على زوجها وإشفاقها أن يصيبه مكروه، تضم ولدها الرضيع إلى صدرها، تناجيه وتناغيه، ثم يدركها اليأس، ويخيل إليها أنه قد غدا يتيماً لا أب له، فَتَساقط الدموع من عينيها على وجه الطفل فيفيق مذعوراً ويبكي، فتمتزج دمعة الحب، بدمعة الطفولة...

وكان زوجها قد خرج من الغداة لرد الأعداء المسلمين عن بيت المقدس، ومالت الشمس ولم يعد، ولم تعرف ماذا حل به...

وكانت مارييت فتاة باسلة، ثابتة الجنان، لم تكن تعرف الخوف ولا تخلع الحوادث فؤادها، ولكن وقعة (حطين) لم تدع لشجاع من الإفرنج قلباً، ولم تترك للفارس فيهم مأملاً في نصر، فقد طحنت جيوشهم طحناً، وعركتها عرك الرحى، وزعزعت قلوب الكماة عن مواضعها. فكيف بقلوب الغيد الحسان؟

وكان زوج (مارييت) فارس الحلبة، وبطل القوم، وكان قد رأى البنات من الإفرنج والألمان والإنكليز وكل أمة في أوربة، يملأن جوانب القدس، فلم يرَ فيهن من هي أفتن وأبهى جمالاً، من (مارييت)، فهام بها وهامت به، وتزوجها فكانا خير زوجين، وكانت حياتهما النعيم كله، ودارهما كأنها لهما جنة عدن... ولكن حبه لها لم يشغله عن حبه وطنه، وتمسكه بصليبيته، وحرصه على أن يبقى أبداً فارس النصرانية المعلم، وبطلها، فكان كلما سمع نأمة طار إليها، وكلما دعا داعي القتال كان أول الملبين...

وفتح الباب، فخفق قلب مارييت وتلاحقت أنفاسها، ولم تدرِ أهوَ البشير أم هو الناعي، وتلفتت فإذا هي بزوجها يدخل عليها سالماً، يمد لها ذراعيه فتلقي بنفسها بينهما... ويحدثها حديث النصر: لقد رد (يسوع) الأعداء، وفتّ في أعضادهم فانطلقوا هاربين، قبل أن نباشر حرباً، أو نشرع في قتال، لقد استقر أيتها الحبيبة ملك المسيح في بيت المقدس إلى الأبد، ولو أبصرتهم يا مارييت، وقد ذهب الفزع بألبابهم لما رأوا أسوار المدينة، تطل من فوقها أبطال النصرانية، وفرسان الصليب، فهدوا خيامهم وولوا الأدبار لا يلوون على شيء لا يريدون إلا النجاة... لما صدقت أن هؤلاء هم الذين فعلوا تلك الفعلة في (حطين). لقد فروا كالنعاج الشاردة... فيا ليت أبطال المقدس كانوا في (حطين)، ليروهم يومئذ ما القتال!

ألا تقدس الصليب، وتبارك اسم النصارى، إنَ أورشليم لنا إلى الأبد!!

ومشت معه إلى الكنيسة الكبرى، لتحضر الاحتفال بالنصر، وكان يحدثها في الطريق عن هؤلاء الوحوش الكافرين، ويصف لها فضاعة ديانتهم، وقسوة رجالهم، وكيف يأكلون لحوم أعدائهم، ويشربون دمائهم، ويصور لها ملكهم (صلاح الدين) كما وصفه له الكهنة ورجال الكنيسة. فترتجف أضلاعها خوفاً وفزعاً من هذه الصورة المرعبة، وتضم ولدها إليها، وتصلب، وتستجير بالقديسين جميعاً، وبيسوع والعذراء، أن لا يجعلوا له سبيلاً إليها... وأن لا يروها وجهه المخيف...

وينقضي الاحتفال ويرجعون من الكنيسة، وهي تحس أن الدنيا قد ألقت إليهم مقاليد الأماني، وأن الدهر قد حكمهم فيه، ونزل على حكمهم، وتستلقي على فراشها، وهي تداعب الآمال وتناجيها، حتى إذا بلغ بها التأميل أن ترى هذه البلاد كلها قد عادت للمسيح وأتباعه، ولم تبق في جنباتها منارة مسجد، ولم يعد يتردد في جوّها أذان، وترى زوجها قد علا في المناصب حتى صار القائد المفرد؛ أغمضت عينيها على هذه الصورة الحلوة وأخذتها معها في أحلامها... ونامت... ولكنها لم تجد إلا حلماً مزعجاً: لقد أحست كأن المدينة تتقلقل وتميد، وكأن حصونها تدك دكاً، وتخر حجارتها، وتتهدم كما يتهدم عش عصفور ضعيف بضربة من جناح نسر كاسر، وخالطت سمعها أصوات العويل والبكاء تتخللها صرخات الرجال؛ فعلمت أنه ليس بحلم ولكنها الحقيقة، فوثبت تحمل ابنها، ونظرت إلى سرير زوجها فلم تلقه في مكانه... فخرجت تسأل ما الخبر، فخبروها أنَ (صلاح الدين)، قد دار حول البلد حتى حط على جبل الزيتون، ثم صدم المدينة صدمة زلزلتها وهزتها هزاً، وكادت تقتلعها من أساسها، كما تقتلع الشجرة من الأرض الرخوة، ورماها بالمنجنيقات والعرادات، وقذفها بالنيران المشتعلة، وهجم جنوده على الأسوار كالسيل المنحط، بل كأبالسة الجحيم، لا تحرقهم نيراننا، ولا يقطع فيهم حديدنا، كأن المردة والشياطين كلها تقاتل معهم...

وكانت (مارييت) واثقة من قوة الدفاع، فالقدس بلد النصرانية لبثت في أيدي أهلها مائة سنة لا سنة ولا سنتين، وفي القدس ستون ألفاً هم خيرة أجناد الصليب، يقودهم (بليان) ويصرفهم البطريك الأكبر، ولكن هذه المفاجأة روعتها، وأدخلت الشك إلى قلبها...

وطفقت الأخبار تصل إليها متعاقبة تترى وكل خبر شر عليها من الذي قبله، وكلما مرت دقيقة سمعت نبأ جديداً عن شدة الهجوم ومضائه، وعن تحطم أدوات الدفاع، حتى جاءها الخبر بأن الرايات البيض، قد رفعت على الأسوار، وأنها قد عقدت الهدنة، على أن يخرج من شاء من المدينة على مدة أربعين يوماً، ومن أراد البقاء بقي في حكم صلاح الدين، وأن تفتح له المدينة أبوابها، وأن يدفع الرجل الذي يريد الخروج عشرة دنانير والمرأة خمسة والولد دينارين.

وتركت (مارييت) القوم في رجتهم، وخرجت تفتش عن زوجها الحبيب، ومشت في الظلام تدور حول الأسوار، تنظر إلى الأبواب المفتحة، والجنود الظافرين يدخلون بالمشاعل والطبول، فتشد يدها على ولدها وتمضي متباعدة، حتى تبلغ ساحة القتال، فإذا هي تطأ على أعلام الصليبييين ممزقة محرقة، مختلطة بجثث الأجناد، متقطعة الأوصال، فامتلأت نفسها رهبة وخوفاً، وهمت بالعودة ولكنها غالبت النفس ومشت، فقد كانت تفتش عن زوجها، ولا تستطيع أن ترجع حتى تلقاه أو تعرف خبره، وكان حولها رجال ونساء كثيرون يبحثون كما تبحث، عن قريب أو صديق، وتمثلت ذلك الأمل الضخم أمل (الوطن القومي) الصليبي، فألفته قد مات هو الآخر، وألقيت جثته... ورأت هذه الأرض قد عادت للقوم الكافرين بيسوع وأمه... وأحزنها ذلك كما أحزنها فقد زوجها؛ وتضاعفت به مصيبتها وحاولت أن تتعرف وجوه القتلى، من أحبابها وعشيرتها، فأخفقت وعجزت ولم تبصر شيئاً من الظلام، ومما أصابهم من التبديل والتغيير. وتمثلت لها حياتها كلها، فإذا هي قد ذهبت، وجاءت مكانها حياة جديدة؛ حياة رعب وفزغ وشقاء، لا تعرف عنها شيئاً، ولا تدري ولا يدري أحد من قومها كيف يكون مصيرها في ظل الحكم الجديد، وذكرت ما قاله لها زوجها عن فظاعة هؤلاء الفاتحين، فأحست عند ذكر زوجها كأن قلبها قد انتزع من صدرها، وطار في أثره، وفكرت فيه: أي أرض تقله؟ وأي سماء تظله؟ وهل هو قتيل قد تمزق جسمه الجميل، وانتثرت ثناياه الرطاب، و... ولم تستطع المضي في هذه الصورة، فأغمضت عينيها، وألقت عليهما غشاء من الدمع، وأحست كأن فؤادها يسيل حزناً عليه، فانكبت على الولد تقبله بشدة، وشغف، كأنها تصب في هذه القبل أحزانها وعواطفها، حتى أوجعت الطفل فصرخ وبكى... ورغبت في الفرار من هذه المشاهد كلها، ولم تقدر أن تتصور كيف يتبدل كل شيء بهذه السرعة، وتتوهم حيناً أنها في حلم، وأنها ستتيقظ فترى كل شيء قد عاد كما كان، ولكن الحقيقة سرعان ما تفجعها بهذا الوهم، وتبدده أمام عينيها...

وكان أشد ما روعها، وحز في فؤادها، انصراف الناس عنها، وكف أيديهم عن مساعدتها؛ فقد شغلت المصيبة الداهمة كل واحد بنفسه، فكأنه يوم المحشر كل يقول فيه: أنا...

وكرت راجعة وهي تعرض في ذهنها فصول هذه الرواية التي مثلت الليلة، فابتدأت بالظفر والمجد، والحب والوصال. ثم انتهت بالخيبة المرة، والهزيمة الماحقة، والفراق الطويل، ولم تفهم كيف يكمن أن يهوي في لحظة الصرح الذي أقيم في مائة سنة، وكيف يهدم رجل واحد ما تعاون على إنشائه أهل أوربة جميعاً، أيكون أمير مسلم واحد معادلاً في الميزان لملوك النصرانية كلهم وأمرائهم؟ إذن كيف لو تحالف المسلمون كلهم؟ كيف لو كانت هذه الحروب في أيام الخلافة، إذ كانت مملكتهم مملكة واحدة تمتد من الصين إلى قلب فرنسا؟

وجعلت تسأل كل من تلقاه عن زوجها، فلا يقف لها أحد ولا يرد عليها، وإذا لقيت كريماً منهم رقيق القلب فسألته فعطف عليها بجواب، لم يكن جوابه غير (لا أدري)!.

وظهر القمر نحيلاً هزيلاً من بين فرج الغمام، فألقى على الساحة ضياءً شاحباً حزيناً جعل الدنيا كأنها وجه مريض محتضر، فرأت قطع اللحم البشري مخلوطة بالوحل، تبرز من خلالها الدروع المذهبة، وتبدو من بينها قطع الرماح المكسرة والسيوف، فأشجاها التفكير في هذه الجيف المنتنة، التي كانت في الصباح أبطالاً كراماً تخطر على أرض الموعد، وكانت حصن الصليبية وسياجها، وعادت إلى البحث عن زوجها والتحديق في الوجوه، فمر بها شيخ كان يحدب عليها، ويحب زوجها، فأدركته الشفقة عليها، فأخذ بيدها فاستخرجها من الساحة، وكان الخطب قد حطم إرادتها وتركها كالتي تمشي في نومها، فانقادت إليه طيعة وسارت معه، وسألته هامسة كأنها تخاطب نفسها.

- يا أبتاه هل رأيت زوجي؟

فلم يحب أن ينبئها بما تكره فلوى الحديث وشغلها بغير ما تسأل عنه، فقالت:

- وما تظن أنهم يصنعون بنا يا أبتها؟ هل يخطفون ولدي ليأكلوا لحمه أمام عيني؟

- قال: ومن خبرك بهذه الأكاذيب، إن المسلمين قوم كرام، أهل وفاء ونبل، وإن ملكهم صلاح الدين خير الملوك قاطبة...

ومضى يحدثها عما عرفه من صفة المسلمين، وهي فاتحة فمها دهشة لا تكاد تفهم ما يقول ولا تصدقه. فعاد يقول:

- ولو أنهم ذبحونا لما كانوا معتدين، بل كانوا منتصفين منا، فإنا لما دخلنا القدس منذ مائة سنة، قتلناهم في البيوت والشوارع والمساجد، وحيثما وجدناهم حتى صاروا يلقون بأنفسهم من فوق الأسوار لينجوا منا، وحتى بلغ عدد من قتلنا منهم سبعين ألفاً ولم يتحرك قلب منا بشفقة، ولا لسان بإنكار...

وأصبح الصباح وهي لا تزال تفتش وتبحث، والولد على يدها ينادي: بابا، فيذكرها به، وما كانت ناسية.

وإن كلمة (بابا) لأجمل كلمة في الدنيا، وفاتحة اللغات وأمها، فهي أول لفظ بشري يجري به لسان الوليد، وهي كلمة الإنسانية، تختلف اللغات، وتتحد فيها. وهي كلمة الطهر ينطق بها الطفل قبل أن يعرف الشر ويدري ما المكر، وهي أحلى من كلمة (حبيبي) لأن من الحب ما يمدح وما يذم، أما الأبوة فخير كلها، والحب رابطة يصنعها الإنسان، أما الأبوة فمن صنع يد الله.

ولكن (مارييت) لم تكن ترى في هذا الصباح إلا ناراً تحرق كبدها، وشفرة تمزقها، وضاق بها أمرها، فهرعت إلى جارات لها واجتمعن يترقبن ما يكون من الأهوال، فإذا القدس ترتج بصرخة واحدة، اجتمعت عليها حلوق المسلمين والنصارى أولئك ينادون: الله أكبر، وهؤلاء يعولون ويبكون، فنظرن فإذا أحد الجنود الفاتحين علا قبة الصخرة، فأنزل الصليب الذهبي، الذي لبث فوقها قرابة مائة سنة، وحسبوه سيلبث إلى يوم القيامة...

وجاءتهن الأخبار بما يصنع المسلمون في المدينة، فجعلوا يعجبون، ولا يصدقون، أن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، وأن من شاء الخروج دفع ما اتفق عليه وحمل معه ما شاء وخرج، وأن النصارى يبيعون ما فضل عنهم من أمتعتهم في الأسواق فيشتريها منهم المسلمون بأثمانها. وأنهم يروحون ويجيئون آمنين مطمئنين، لم يروا إلا الخير والمروءة واللطف. وأن المسلمين قوم أهل حضارة وتمدن ليسوا وحوشاً ولا آكلي لحوم البشر. وروي لهن ما صنعوا في الحرم، فقد نزعوا منه كل ما أحدث النصارى، وردوه إلى حاله الأولى، وجاؤوا بالمنبر الذي صنعه نور الدين الشهيد ليقام فيه، فأقاموه في الحرم، وخطب عليه خطيبهم يوم الإسراء...

وجاءهن شاهد عيان يصف لهن ما رأى وما سمع في المسجد، قال: ودخلت فلم يمنعني أحد، ولم يسألني من أنا، فاختلطت بالمسلمين، فإذا هم جميعا يجلسون على الأرض لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، وخضعوا لله، فعجبت من هؤلاء الذي كانوا جنّ المعارك، وشياطين يوم القتال، كيف استحالوا هناك رهباناً خشعاً، ورأيت الخطيب قد صعد المنبر فخطب خطبة، لو أنها ألقيت على رمال البيد، لتحركت وانقلبت فرساناً، ومضت حتى تفتح الأرض، ولو سمعتها الصخور الصم، لانبثقت فيها الحياة، ومشت فيها الروح، وجدت هؤلاء الناس لا يغلبون أبداً ما داموا مسلمين ولو اجتمعت عليهم دول الدنيا، لأن قوة الإيمان أقوى في نفوسهم من كل قوة، إنه لا يخيفهم شيء لأن الناس إنما يخيفون بالموت ومنه يخافون، وهؤلاء قوم يحبون الموت ويريدون أن يموتوا. كلا، لا يطمع قومنا بهذه الديار أبداً، أنا أقول لكم، وأنا قد عرفت القوم وتكلمت بلسانهم وخالطتهم ووقفت على ديانتهم وسلائقهم. كلا، إنه لا أمل لنا فيها، لقد أنزلوا الصليب اليوم، بعدما لبث مائة سنة فلن يعود، لن يعلو هذه القبة إلا شعار محمد، فلا نصرانية، ولا يهودية، إن كل بقعة في هذه الديار تنقلب إذا حزب الأمر وجد الجد (حطين) وكل وليد فيهم يصير (صلاح الدين)، فلا يهرق قومنا دماءهم هدراً، ولا يزهقوا أرواحهم في غير طائل.


لها بقيَة تتبع ،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
07-22-2008, 12:38 PM
ونظرت (مارييت) فإذا قومها قد آثر فريق منهم البقاء في ظل الراية الإسلامية حينما رأوا في ظلالها العدل والأمن والهدى، مع الحضارة والتمدن والغنى، وأبى فريق إلا الرحيل، فاختارت أن تكون مع هذا الفريق لا كرهاً بالمسلمين، فقد بددت شمس الحقيقة ظلام الأوهام؛ وكذّب الواقع ما سمعت عنهم من الأحاديث، ولكنها لم تستطع أن تقيم وحيدة في البلدة التي يذكرها كل شيء فيها، بزوجها، وبحبها، وبسعادتها التي فقدتها...

ومشت القافلة وتلفتت مارييت إلى الوراء، تودع هذه البلدة الحبيبة إلى قلبها، المقدسة عندها، بلدتها التي ولدت فيها، ولم تعرف لها بلداً غيرها، ونظرت إلى موضع الصليب الذهبي الذي كان يشرق كالشمس على قلبها فرأته خالياً منه، فأحست أنها تركت قلبها في هذا البلد الذي كان لقومها، فصار لعدوها، والذي خلفت فيه زوجها، لا تدري في بطن أي طير أو في معدة أي وحش صار قبره... وخلفت فيه ذكريات صباها، وبقايا سعادتها وحبها، ولكنها فرحت بالخروج منه، حتى لا ترى ما يذكّرها كل يوم بما فقدت، ولتلحق بديار قومها، وأهل ملتها...

سارت وهي سابة في أفكارها، فتخيلت زوجها وهو يمشي معها في الموكب الظافر تحت راية الصليب، فبكت واختلط نشيجها بنشيج النسوة من حولها، وهن يبكين من خلفن من الأسرى والقتلى، وإذا بالجنود يقفونهن، فسكتن من الفزع ووقفن وأيقن بالهلاك، فأرجعوهن فإذا على رابية طائفة من المسلمين بينهم شيخ على فرس له، لم يرع (مارييت) وصحبها إلا قولهم: هذا هو السلطان.

هذا هو السلطان، هذا هو (صلاح الدين) المخيف، آكل لحوم البشر، شارب الدماء. وجعلت تختلس النظر إليه فلا ترى ملامح الوحش الكاسر، ولا تبصر الأنياب ولا المخالب، ولا ترى إلا الهيبة والنور والجلال، فلما وقفن عليه، قال: ما تردن؟

قالت امرأة: رجالنا في الأسر، أزواجنا...

وتصايحن وبكين، فبكى السلطان رقة لهن، وأمر بإطلاق أسراهن، وأعطاهن الدواب والطعام والمال...

لما رأت (مارييت) زوجها صحيحاً معافى، نسيت الشقاء والهزيمة، وألقت بنفسها بين ذراعيه، لم تخف أن يبصرها الناس، فقد جعل كرم السلطان كل واحد يشتغل بسعادته، ثم مشت الطريق بهؤلاء النازحين لم يمشوا هم فيها، لأنهم ملؤوها فلم يعد يعرف أول لهم من آخر، فكأن الطريق كالنهر الممتلئ بالماء من نبعه إلى مصبه، نهر من الأسى والفرح، والهزيمة في المعركة، والظفر بلقاء الأحبة، وكره الغالبين وشكرهم على إحسانهم، وأحست (مارييت) في قلبها بالاعتراف بفضل هذا الرجل المحسن، ورأت خلال الإنسانية والحق والنبل تتمثل فيه هو، لا فيمن رأت من رجال قومها. وكادت تحبه ثم تنبه في نفسها دينها، وما علموها من بغض الإسلام، فتوقفت، وحاولت أن تذكر سيئة واحدة لهذا الرجل ولقومه، تستعيد بها بغضاءها إياهم فلم تجد، وجعلت تقابل بينه وبين البطريق الأعظم، الذي خرج مع القافلة بعدما استلب المعابد وكنوزها، وكنس الكنائس، وحمل كل ما كان فيها، ولم يعط من هذا المال أحداً، لم يجد به على امرأة ضعيفة تمشي معه، ولا على شيخ عاجز، وذكرت ما سمعت من أن السلطان تركه يخرج بهذا المال، مع أنه شرط لهم الخروج بأموالهم لا بأموال الكنائس، وذكرت ما كان يصنع قومها من إخلاف الوعود، والحنث بالعهود، فتمنت لو أنها كانت مسلمة، ولكنها لم تجهر بهذه الأمنية وخنقتها في نفسها.

وتدفق هذا النهر البشري يحمل أعجب أنواع السلائق الإنسانية، وأغرب المتناقضات، ففيه حنو الأمهات وإيثارهن، وفيه أثرة الأغنياء وقسوتهم، وفيه الصبر وفيه الجزع، وفيه الصدق وفيه التزوير، وفيه البطريك الذي يزعم أنه خليفة المسيح ليساعد الفقراء، ويزهد في الدنيا، ثم يأكل مال الله وحده، ويعرض عن الفقراء والمحتاجين.

مشت هذه القافلة في الطريق المقفرة، والمسالك الموحشة، لم تكن تحب أن تعرج على شيء من بلاد الإسلام، كانت وجهتها طرابلس، فلما بلغتها بعد الجهد البالغ، والمشقة المهلكة وبعد أن تركت في الطريق ضحايا الجوع والتعب ماتوا ، وفي القافلة الأغنياء معهم الذهب، وفيها البطريك يحمل من أموال الله مائة ألف دينار...

... لما بلغتها، أغلق أميرها السور في وجه القافلة وردها، ثم بعث رجاله فاستلبوها ما كان معها (كل ذلك حقائق تاريخية، رواها مؤرخو أوروبا)، فانبرى لهم الشجعان والأبطال ليردوهم، فأوقعوا بهم وقتلوهم، وكان فيمن قتل زوج (مارييت).

وتاه من بقي في البرية، كما يتيه الزورق في لجة البحر، وعاد أكثر أهلها إلى دنيا الأمن والمروءة والنبل دنيا المسلمين، وكانت (مارييت) مع التائهين، تمشي معهم قد مات حسها وتبلد شعورها، ولم تعد تستطيع أن تفكر في شيء، تنزل بنزولهم وترحل برحيلهم، وتأكل إن أطعموها، وتصمت إن تركوها، وكأنما قد خولطت في عقلها، أو أصابها مس من الجنون؛ حتى بلغوا أسوار أنطاكية، فطردهم أهلها وردوهم (كما روى التاريخ)...

... فرجعوا إلى بلاد الإسلام وقد أيقنوا أنه لن يكون في الأرض أنبل ولا أفضل من هذا الشعب الذي علمه محمد صلى الله عليه وسلم كيف تكون الإنسانية...

أما (مارييت) فبقيت مكانها ذاهلة كأنها لا تبصر ولا تعي، فأقبل عليها شاب من أهل أنطاكية من قومها، فأخذ بيدها وواساها، فانقادت له، وسارت معه حتى احتواها منزله على سيف البحر، فسقطت من التعب والإعياء نائمة...

وأيقظها لغط حولها؛ فاستفاقت فسمعت صوت رجل يقول لصاحبه:

- ما ندعك تنفرد بها إنها أجمل امرأة وقعنا عليها.

فيقول الأول:

- ولكنها صيدي أنا... أنا الذي اصطادها.

فتفهم أن الخلاف عليها، على شرفها وعفافها، ويعود إليها ذهنها، فتذكر الماضي كله، وتدرك أنها فقدت زوجها وحاميها ويشد الغضب من عزمها. فتقول لهم:

- ويحكم، أهذه هي مروءتكم وإنسانيتكم، أهذا هو دينكم يا أهل أوربة؟...

فيضحكان ويقهقهان، فيشتد بهذا الغضب، وتصرخ بهما:

بأي لسان أخاطبكم؟ بلسان الدين وأنا أراكم ملحدين كافرين؟ بلسان الإنسانية وما أنتم إلا وحوش في جلد بني آدم؟

بلسان المروءة وقد فقدتموها ونسيتم حدودها؟

ويلكم لا تستحيون أن يكون هؤلاء المسلمون أشفق على نسائكم، وأحفظ لشرفكم منكم، وأن يكونوا أنبل وأفضل لوصايا السيد المسيح؟

لا والله لستم للمسيح ولا لمحمد أنتم للشيطان... أولئك هم الذين جمعوا المسيح ومحمداً، أولئك أهل الفضائل أرباب الأمجاد، خلاصة الإنسانية.

إنكم لن تغلبوهم. لن تأخذوا أرضكم المقدسة من أيديهم أبداً. كلا، إنهم أحق بها، لأنهم أوفى منكم لمبادئ السيح..

إنهم أعرق منكم في الإنسانية، إن المستقبل لهم، إن لهم المجد والظفر، ولكم أنتم اللعنة، لكم الخيبة والخزي.

فلا تجد منهما إلا إيغالاً في الضحك، وتتلفت حولها فلا تجد ناصراً، وأين المعين على الحق، المدافع عن الشرف في بلد ليس فيه مسلم.

وتراهما قد أقبلا عليها بعيون محمرّة، فيجن جنونها، فتلقي بولدها في اليم وترمي بنفسها.

وكان البحر ساكناً فصعدت من الماء فقاعتان، فيهما اللعنة الحمراء التي خرجت من فؤادها المحترق، على هؤلاء (الواغلين في فلسطين)!.

وعاد البحر ساكناً كما كان...

وأسدل الستار على القصة التي تتكرر دائماً منا ومن هؤلاء الغربيين: قصة نبل لا يدانيه في عظمته البحر، ونذالة لا يغسل البحر أوضارها، ولا يطهر الأرض من عارها.


بقلم: علي الطنطاوي


،،، وتحياتي ،،،