صالح عبدربه
12-07-2006, 12:28 PM
قال تعالى:
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:15-19].
إن سبأ قبيلة معروفة في اليمن، ومسكنهم بلدة مأرب. ومن نعم الله ولطفه بالناس عمومًا والعرب خصوصًا أن قصّ عليهم في القرآن أخبار المهلَكين من الأقوام التي كانت تجاورهم وأبقى آثارهم شاهدة على جحودهم وهلاكهم؛ علّهم بذلك يعتبرون ويؤمنون.
كانت سبأ في أرض مخصبة، وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تنحدر إليهم من الجبال عبر وديان عظيمة، فأقاموا خزّانًا طبيعيًا يتألف جانباه من جبلين عظيمين، وجعلوا بينهما على فم الوادي سدًا كبيرًا به عيون تفتح وتغلق، وخزنوا المياه بكميات عظيمة وراء السد، وتحكموا فيها وفق حاجتهم، فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم أطلق عليه سد مأرب.
وكان من أثر ذلك الرخاء والوفرة والمتاع الجميل جنتان عن يمين وشمال، قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار، تسرُّ الناس بظلالها، وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير كلفةٍ ولا قطاف لكثرته ونضجه، فكانت آية تذكرهم بالمنعم الوهاب سبحانه وتعالى، وقد أمروا أن يستمتعوا برزق ربهم شاكرين له، وذكرهم بنعمة البلد الطيب، ومن زيادة نعمه المغفرة على التقصير والتجاوز عن السيئات.
ولكنهم أعرضوا عن شكر الله، ولم يعملوا بما أمرهم الله، وأساؤوا فيما أنعم الله عليهم، وما أحسنوا، فكانت العقوبة من الله بأن سلبهم تلك النعم والوفرة والخضرة، فأرسل عليهم سيل العرم الجارف الذي حطم ذلك السد العظيم. قال الطبري: وحين أعرضوا عن تصديق الرسل ثقب ذلك السدّ الذي كان يحبس عنهم السيول، ثم فاض الماء على جناتهم فغرَّقها، وخرَّب أرضهم وديارهم، فتفجرت المياه المحتجزة، فأغرقت ودمرت ذلك النعيم، وبعدها جفت الأرض واحترق الزرع، فبدلت الجنان الفيحاء والبساتين الغناء بأرض قاحلة مقفرة، بها نبات ذو شوك وأثل ذات أُكل مرٍّ بشع وشيء من سدر قليل التي لا ينتفع بثمرها، وضيق عليهم الرزق، وبدلهم من الرفاهية والنعماء بالشدة والخشونة واللأواء.
ثم يأتي النذير الثاني، ما هو؟ لكنه سبحانه لم يمزقهم ويفرقهم، بل كان عمرانهم متصلاً بينهم وبين القرى المباركة: مكة والشام، فيخرج المسافر من قرية ويدخل القرية الأخرى ولما يظلم الليل عليهم وهم آمنون مطمئنون. ولكن غلبت على قوم سبأ الشقاوة فلم يتعظوا بالنذير الأول، ولم يرجعوا إلى ربهم ويستغفروه، بل دعوا دعوة الحمق والجهل قائلين: رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . واستجاب الله دعوتهم، ففرقهم في الأرض وبدد شملهم بعد أن كانوا مجتمعين، وصاروا أحاديث يرويها الرواة وقصة يعاد ذكرها على الألسن والأفواه، فأزالهم الله بعد أن كانوا أمة لها شأنها بين الأمم، ولكن ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه.
وبعد ذلك كله تختم القصة بتوجيه من الله العليم الحكيم لمن يقرأ هذا القرآن ويعتبر بما فيه من الأحكام والشرائع والأخبار أن ما ذكر في هذه القصة آية وموعظة لكل صبار شكور، فيحذر المعتبر من الجزع وهو ضد الصبر، ومن الكفر وهو ضد الشكر.
لذا ينبغي الحذر من الإعراض عن دين الله تعالى وعدم مبارزته بالمعاصي أو المجاهرة بها، فإن الله لا غالب له. وتأمل في قوله تعالى: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ، قال المفسرون: وتسمية البدل "جنتين" فيه ضربٌ من التهكم؛ لأن الأثل والسدر وما كان فيه خمط لا يسمى جنة، لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها، وإِنما جاء التعبير على سبيل المشاكلة.
منقووووووووووووووووووووووووووووووووووووول
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:15-19].
إن سبأ قبيلة معروفة في اليمن، ومسكنهم بلدة مأرب. ومن نعم الله ولطفه بالناس عمومًا والعرب خصوصًا أن قصّ عليهم في القرآن أخبار المهلَكين من الأقوام التي كانت تجاورهم وأبقى آثارهم شاهدة على جحودهم وهلاكهم؛ علّهم بذلك يعتبرون ويؤمنون.
كانت سبأ في أرض مخصبة، وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تنحدر إليهم من الجبال عبر وديان عظيمة، فأقاموا خزّانًا طبيعيًا يتألف جانباه من جبلين عظيمين، وجعلوا بينهما على فم الوادي سدًا كبيرًا به عيون تفتح وتغلق، وخزنوا المياه بكميات عظيمة وراء السد، وتحكموا فيها وفق حاجتهم، فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم أطلق عليه سد مأرب.
وكان من أثر ذلك الرخاء والوفرة والمتاع الجميل جنتان عن يمين وشمال، قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار، تسرُّ الناس بظلالها، وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير كلفةٍ ولا قطاف لكثرته ونضجه، فكانت آية تذكرهم بالمنعم الوهاب سبحانه وتعالى، وقد أمروا أن يستمتعوا برزق ربهم شاكرين له، وذكرهم بنعمة البلد الطيب، ومن زيادة نعمه المغفرة على التقصير والتجاوز عن السيئات.
ولكنهم أعرضوا عن شكر الله، ولم يعملوا بما أمرهم الله، وأساؤوا فيما أنعم الله عليهم، وما أحسنوا، فكانت العقوبة من الله بأن سلبهم تلك النعم والوفرة والخضرة، فأرسل عليهم سيل العرم الجارف الذي حطم ذلك السد العظيم. قال الطبري: وحين أعرضوا عن تصديق الرسل ثقب ذلك السدّ الذي كان يحبس عنهم السيول، ثم فاض الماء على جناتهم فغرَّقها، وخرَّب أرضهم وديارهم، فتفجرت المياه المحتجزة، فأغرقت ودمرت ذلك النعيم، وبعدها جفت الأرض واحترق الزرع، فبدلت الجنان الفيحاء والبساتين الغناء بأرض قاحلة مقفرة، بها نبات ذو شوك وأثل ذات أُكل مرٍّ بشع وشيء من سدر قليل التي لا ينتفع بثمرها، وضيق عليهم الرزق، وبدلهم من الرفاهية والنعماء بالشدة والخشونة واللأواء.
ثم يأتي النذير الثاني، ما هو؟ لكنه سبحانه لم يمزقهم ويفرقهم، بل كان عمرانهم متصلاً بينهم وبين القرى المباركة: مكة والشام، فيخرج المسافر من قرية ويدخل القرية الأخرى ولما يظلم الليل عليهم وهم آمنون مطمئنون. ولكن غلبت على قوم سبأ الشقاوة فلم يتعظوا بالنذير الأول، ولم يرجعوا إلى ربهم ويستغفروه، بل دعوا دعوة الحمق والجهل قائلين: رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . واستجاب الله دعوتهم، ففرقهم في الأرض وبدد شملهم بعد أن كانوا مجتمعين، وصاروا أحاديث يرويها الرواة وقصة يعاد ذكرها على الألسن والأفواه، فأزالهم الله بعد أن كانوا أمة لها شأنها بين الأمم، ولكن ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه.
وبعد ذلك كله تختم القصة بتوجيه من الله العليم الحكيم لمن يقرأ هذا القرآن ويعتبر بما فيه من الأحكام والشرائع والأخبار أن ما ذكر في هذه القصة آية وموعظة لكل صبار شكور، فيحذر المعتبر من الجزع وهو ضد الصبر، ومن الكفر وهو ضد الشكر.
لذا ينبغي الحذر من الإعراض عن دين الله تعالى وعدم مبارزته بالمعاصي أو المجاهرة بها، فإن الله لا غالب له. وتأمل في قوله تعالى: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ، قال المفسرون: وتسمية البدل "جنتين" فيه ضربٌ من التهكم؛ لأن الأثل والسدر وما كان فيه خمط لا يسمى جنة، لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها، وإِنما جاء التعبير على سبيل المشاكلة.
منقووووووووووووووووووووووووووووووووووووول