المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفيلسوف الرباني


خالد بن فريد بن محسن
09-09-2009, 02:43 PM
الفيلسوف الرباني محمد بن إدريس الشافعي (1)
إمام جمع بين علوم الفقه والطب واللغة والفراسة


د. سلمان بن فهد العودة

http://www.okaz.com.sa/new/images/logo1414.gif (http://www.addthis.com/bookmark.php?v=250)http://www.okaz.com.sa/new/images/printer.png (http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090908/PrinCon20090908303364.htm) http://www.okaz.com.sa/new/images/comments.png (http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090908/Con20090908303364.htm#addcomments) http://www.okaz.com.sa/new/images/sharemail.png (javascript:void(0);) http://www.okaz.com.sa/new/images/email.png (javascript:void(0);)



هذه التسمية ليست من بنات أفكاري، إنما هو من ثناء الإمام أحمد بن حنبل على الإمام الشافعي، فقد قال رحمه الله: (الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه) (1).
ومن الظاهر أن الإمام لم يكن يقصد مجرد علم الشافعي بهذه المسائل، بل ما وراء ذلك من فقه اللغة والإحاطة بالخلاف، ولا غرابة أن يكون الشافعي رحمه الله بذلك فيلسوفا.
أما كونه ربانيا، فقد كان يقسم الليل أثلاثا: ثلث لطلب العلم، وثلث للصلاة والتهجد، وثلث للنوم (2).

وأكثر من هذا فإن الإمام أحمد قد رشح الشافعي رحمه الله لمنصب المجددية الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الصحيح: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (3).
قال الإمام أحمد رحمه الله: (فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي) (4).
مولده ونشأته:
الشافعي أول من كتب في سيرته الذاتية بعيدًا عن الافتخار والادعاء الكاذب، وأحق الناس بالقدر من عرف قدر نفسه، فوجدت له كلمات جميلة عن طفولته.
يقول الشافعي: (ولدت بعسقلان ــ بلدة بفلسطين في قطاع غزة ــ فلما أتى علي سنتان حملتني أمي إلى مكة) (5).
قال الشاعر محمد عبد الغني حسن يخاطب غزة:
إذا كنت قدما للتجارة معرضا فأنت بدنيا العلم مصدر عرفان
نميت الإمام الشافعي ولم تزل له فيك ذكرى وارف العيش فينان
وأهديت للإسلام عالم أمة وحجة تشريع وصاحب تبيان
وما زال في ترحاله متشوقا إليك ومطوي الضلوع بتحنان
يقول وفي أشعاره الصدق والهدى ولفحة مشتاق ونفحة إنسان
وإني لمشتاق إلى أرض غزة وإن خانني بعد التفرق كتماني
سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها كحلت به من شدة الشوق أجفاني (6)
وقد ولد الشافعي في العام الذي مات فيه أبو حنيفة، بل قال بعضهم: في اليوم الذي مات فيه أبو حنيفة، وقد ورد هذا بسند جيد، لكن قد يحمل اليوم على مطلق اليوم لا على اليوم المحدد (7).
وقال رحمه الله: (كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي: أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر. قال: وكنت أصيب من العشرة تسعة) (8).
وقال: (كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن لها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام) (9).
وقال: (حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر) (10).
ثم قال: (أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ من أشعارها ولغاتها) (11).
بعد ذلك استدعي الشافعي إلى بغداد سنة (184هـ) وكان ذلك بناء على وشاية وصلت إلى هارون الرشيد عنه وعن جماعة من العلويين، فكان متهما بالتآمر على الدولة العباسية، فضربت بين يديه تسع رقاب كان آخرهم شابا من أهل المدينة قال للرشيد: لا أعود إلى ما كنت عليه، ثم توسل إليه أن يتركه حتى يراسل أمه في المدينة، ولكنه لم يسعفه فقتله.
ولما جاء دور الشافعي رحمه الله قال له: يا أمير المؤمنين! أنا لست بطالبي ولا علوي، وإنما أدخلت وسط هؤلاء القوم بغيا وظلما وعدوانا، وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف وعلى حظ من العلم والفقه، والقاضي يعرف ذلك.
وكان القاضي محمد بن الحسن الشيباني قاعدا بين يدي الرشيد. فقال له: يا أمير المؤمنين! نعم أنا أعرف ذلك، وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع إليك من شأنه.
فقال الرشيد: خذه حتى أبحث في أمره، فأخذه القاضي، وكان هذا سبب خلاصه، كما قال: لأمر أراده الله تعالى (12).
وكانت هذه الحادثة سببا لبقاء الشافعي في بغداد لسنتين أو أكثر، وتتلمذ خلالها على محمد بن الحسن الشيباني.
أما أبو يوسف فلم يلقه، ولم يأخذ عنه، فقد مات أبو يوسف رحمه الله قبل أن يقدم الشافعي بغداد، وأما رواية أنه قابله وناظره فهي رواية مكذوبة موضوعة.
ورجع الشافعي إلى الحجاز وصار بعد وفاة مالك أشهر المفتين فيه نحوا من تسع سنوات، ثم قدم بعد ذلك إلى بغداد، والتقى بأحمد بن حنبل هناك، وكان قد التقى به ــ والله أعلم ــ قبل ذلك في مكة، وبعد سنتين رحل إلى مصر حيث كان يحبه واليها، ومكث بها حتى توفي (سنة 204هـ) عن 54 عاما.
وقد تخلل هذا العمر القصير رحلات عديدة إلى اليمن وقبائل العرب كلها، وكان حريصا على جمع العلوم من الفقه والطب واللغة والفراسة.
عقله ولسانه رحمه الله:
إذا كان المرء بأصغرية عقله ولسانه، فلقد كان الشافعي على أوج التمام في ذلك، فقد كان حكيما عاقلا بعيد الغور، شهد له بالعقل كثيرون، حتى قال أبو عبيدة رحمه الله: (ما رأيت رجلا أعقل من الشافعي) (13).
وكذا قال يونس بن عبد الأعلى، حتى إنه قال: (لو جمعت أمة لوسعهم عقله) (14).
وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: (إن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة) (15).
وقال يونس الصدفي رحمه الله: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة) (16).
قال الذهبي تعليقا على ذلك: (هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون) (17).
وهذه إحدى المسائل التي استوقفتني في سيرة الشافعي رحمه الله، فإن قوله للرجل: (ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة) يدل على فقه نفسه وسعة عقله ونبله؛ فإنه يدرك أن الناس لا يمكن أن يتفقوا في عقولهم ولا في مداركهم ولا في علمهم ولا في شخصياتهم، فلا يمكن أن يتفقوا على كل شيء، وليس أمامهم إلا أحد طريقين: إما أن يختلفوا اختلافا بعيدا، وإما أن يضعوا لأنفسهم قواعد عامة يتفقون على جميعها، ويقبلون الخلاف في جزئياتها وفروعها فمتى يتأدب الصالحون بهذا الأدب الرفيع؟
ومتى تتسع صدورهم لمن يخالفونهم ويقدمون أصل الأخوة الإيمانية على طارئ الخلاف الفرعي؟
وهل يمكن أن يتفق الناس؟
وهل يسع من رأى غير ما ترى أن يكتم دينه الذي يدين الله به من أجل خاطرك؟
وهل يجوز له أن يعصي الله ورسوله ليطيعك؟
وهل تريد منه ما لا تصنعه أنت نفسك؟
فإنك لو كنت تعتقد أمرا من الأمور لم يكن لك في دين ولا عقل ولا مروءة أن تجامل فيما تقول أو تراه من أجل هذا أو ذاك، فكيف تريد لهم أمرا لا ترضاه لنفسك؟
إن من عقل الشافعي رحمه الله أن يؤصل هذه القاعدة في فقه الخلاف بين المسلمين.
ومن عقله أيضا: قوله: (إن للعقل حدا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه) (18).
فهو رحمه الله يدرك أن العقل الفطري المركب في الإنسان هو آلة للفهم والإدراك والنظر، كما أن البصر آلة للرؤية والإدراك، وكما أن البصر له حد ينتهي إليه كبعد المسافة والجدران وغير ذلك، فإن العقل له حد ينتهي إليه، فإذا تجاوز حده فسد.
وإلى جوار سعة عقله رحمه الله فقد كان فصيحا متمكنا من ناصية اللغة مشهودا له، حتى عد العلماء قول الشافعي ونطقه حجة في اللغة العربية، وشهد له بذلك الأئمة الفحول كثعلب، والمبرد، وأبي منصور الأزهري، وابن هشام.
بل قال الجاحظ: (نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفا من الشافعي المطلبي، كأنه ينظم الدرر) (19).
يقول يونس بن عبد الأعلى رحمه الله: (ما كان الشافعي إلا ساحرا، ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سكر، وكان قد أوتي عذوبة منطق، وحسن بلاغة، وفرط ذكاء، وسيلان ذهن، وكمال فصاحة، وحضور حجة) (20).
قيل للشافعي رحمه الله: (كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع الحرف منه مما لم أسمعه من قبل فتشدني أعضائي كلها، كأن لكل عضو منها أذنا تسمع فتلتذ بذلك كما تلتذ الأذن. قيل: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع على المال. قيل: كيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضيعة ولدها ليس لها غيره).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (1/118 )، وابن عساكر في تاريخ دمشق (51/350).
(2) انظر: سير أعلام النبلاء (10/35).
(3) أخرجه أبو داود (4291) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) تاريخ دمشق (51/339). وانظر: كشف الخفاء (1/282-283).
(5) تاريخ بغداد (2/59).
(6) سائر على الدرب (ص/36-37).
(7) انظر: سير أعلام النبلاء (10/12).
(8) انظر:تاريخ دمشق (51/281).
(9) انظر:تاريخ دمشق (51/282).
(10) انظر: سير أعلام النبلاء (10/11).
(11) انظر: تاريخ دمشق (51/297).
(12) انظر: تاريخ دمشق (51/286-287) .
(13) انظر: تهذيب الكمال (24/372)، حلية الأولياء (9/94).
(14) انظر: سير أعلام النبلاء (10/15).
(15) انظر: الجرح والتعديل (7/203)، حلية الأولياء (9/99).
(16) انظر: سير أعلام النبلاء (10/16).
(17) المرجع السابق (10/17).
(18) انظر: روح المعاني (1/142).
(19) انظر: مناقب الشافعي للفخر الرازي (ص87)، مقدمة الرسالة (ص15).
(20) انظر: سير أعلام النبلاء (10/48).


،،، وتحياتي ،،،

الهيثم
09-09-2009, 04:33 PM
رحمهم الله أجمعين وجزآهم الله عنا كل خير ... تشكراااات أبا سياف على الموضوع الجميل ...

شوزن
09-09-2009, 08:07 PM
مشكور اخي على الموضوع الاكثر من رائع الله لايحرمك من الاجر يارب مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه0

خالد بن فريد بن محسن
09-10-2009, 12:26 AM
حياك يا أبا إبراهيم و (شوزن) وإلى البقيَة .


،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
09-10-2009, 12:26 AM
الفيلسوف الرباني محمد بن إدريس الشافعي «2»
عالم خبير بأدواء النفوس


د. سلمان بن فهد العودة

http://www.okaz.com.sa/new/images/logo1414.gif (http://www.addthis.com/bookmark.php?v=250)http://www.okaz.com.sa/new/images/printer.png (http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090909/PrinCon20090909303530.htm) http://www.okaz.com.sa/new/images/comments.png (http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090909/Con20090909303530.htm#addcomments) http://www.okaz.com.sa/new/images/sharemail.png (http://javascript<b></b>:void(0);) http://www.okaz.com.sa/new/images/email.png (http://javascript<b></b>:void(0);)



جمع الشافعي فقها وعقلا وأدبا وحكمة، وجمع إلى ذلك فصاحة وبلاغة، وهذا يحدونا إلى أن ننظر فواصل من قوله، فأذكر بعض ما كان يقول رحمه الله.
قال رحمه الله: (ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم. قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل) (1).
ونقل عنه ابن عيينة رحمه الله أنه قال: (لم يعط أحد في الدنيا أفضل من النبوة، ولم يعط لأحد بعد النبوة أفضل من طلب العلم، ولم يعط أحد في الآخرة أفضل من الرحمة)، وكأنه يشير بذلك إلى أن طلب العلم سبيل إلى معرفة ما جاء به الأنبياء عليهم السلام.

قال الربيع بن سليمان عن الشافعي رحمه الله: (المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن)(2).
لقد كان الشافعي رحمه الله كارها للمراء والجدل الذي كثيرا ما يثور بين طلبة العلم، فيختلفون في مسائل، فيتناظرون ويتجادلون، ويصبح هم كلٍ منهم أن يظهر بالحجة وأن ينتصر على غيره.

وقد يتكثر في المجالس بهذه الأغلوطات والمسائل التي لا ثمرة من ورائها، ولذلك قال رحمه الله: (من إذلال العلم أن تناظر كل من ناظرك، وتقاول كل من قاولك)(3)؛ فإن كثيرا من المسائل ينبغي لطالب العلم أن يكرم نفسه، ويصونها عن الخوض فيها.
قال أبو ثور رحمه الله: (قلت للشافعي: ضع في الإرجاء كتابا. قال: دع هذا. فكأنه ذم الكلام)(4)؛ لأنه شعر أن هذه المسائل ليس المراد بها العلم المقرب إلى الله تعالى.
ومع ذلك فقد نقل الربيع عنه قوله: (لو أردت أن أضع على كل مخالف كتابا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إلي منه شيء)(5).

ويقول الذهبي رحمه الله: (هذا النفس الزكي متواتر عن الشافعي)(6).
ومع ذلك فقد كان الشافعي يناظر للمصلحة بكلمات معدودة، ولكنها فصل في المقال، ومن ذلك:
(سأل رجل من أهل بلخ الشافعي عن الإيمان؟ فقال للرجل: فما تقول أنت فيه؟ قال: أقول: إن الإيمان قول. قال: ومن أين قلت؟ قال: من قول الله تعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) فصار الواو فصلا بين الإيمان والعمل، فالإيمان قول والأعمال شرائعه. فقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال: نعم. قال: فإذا كنت تعبد إلهين؛ إلها في المشرق وإلها في المغرب؛ لأن الله تعالى يقول: ((رب المشرقين ورب المغربين)). فغضب الرجل وقال: سبحان الله! أجعلتني وثنيا؟! فقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك. قال: كيف؟ قال: بزعمك أن الواو فصل. فقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت، بل لا أعبد إلا ربا واحدا، ولا أقول بعد اليوم: إن الواو فصل، بل أقول: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص)(7).

آدابه في المناظرة:
يقول رحمه الله: (ما ناظرت أحدا على الغلبة إلا على الحق عندي)(8).
وقال: (ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة)(9).
فمن يستطيع أن يبلغ هذا المستوى؟

وهذا يذكرنا بما نسب إليه من قوله: (وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب- يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء)(10).

إنه يدرك طبيعة النفس البشرية، وحظ الإنسان من نفسه، وأن كثيرا من الناس يتفاخرون بالعلم كما يتفاخرون بالدنيا، وكما يتفاخرون بالمال وبالغلبة؛ خصوصا في ميادين الصراع والجدل والقيل والقال، ويتكثرون بالأتباع، ولذلك كان يجهر بهذه الكلمات لتبيين منهجه وطريقته وليتربي عليها من حوله.

ويقول أيضا: (ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدا إلا ولم أبالِ بين الله الحق على لساني أو لسانه)(11).
هذا هو المثل والخلق الرفيع الراقي الذي ينبغي أن نفاخر به إلى يوم القيامة، وأن نجعل هذا قدوة لنا أيضا في أحاديثنا مع الناس، وفي نشرنا للعلم، وفي مناظراتنا لمن نختلف معه، فلا ننفره ولا نحشره في زاوية، ولا نعتقد أن التضييق عليه هو الذي يقربه إلى الحق؛ لأن الهدف من المناظرة الدعوة وليس الانتصار.

وقد ذكر عن رجل كان يناظر داود الأصفهاني، فلما ناظره في مسألة قال: إن كنت قلت: كذا، فإنك قد كفرت والحمد لله. قال: كيف تحمد الله على كفر مسلم؟ كان يسعك أن تقول: ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو إنا لله وإنا إليه راجعون، أما الحمد فإنه يدل على تجدد نعمة حصلت لك، فهل تحمد الله على كفر مسلم؟.

ولم يكن الشافعي يجزم بصواب رأيه مطلقا، إنما كان يقول قولته المشهورة، التي أصبحت دستورا للمتناظرين من الناحية النظرية، وإن كانت من الناحية العملية أبعد ما تكون عن الواقع، كان يقول: (قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب).

وهذه حكمة تاريخية يتغنى بها الكثيرون لفظا لكنهم يخالفونها فعلا، فيرون قولهم صوابا لا يحتمل الخطأ، ويرون قول غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب.

وقد ورد أن الإمام أحمد بن حنبل جاء إلى حلقة سفيان بن عيينة بمكة، فأشار إلى اسحاق بن راهويه، وكانوا يعدونه فقيه خراسان، فقال له: قم حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فأخذ بيده حتى جاءوا إلى مجلس الشافعي فجلسوا، وتحدثوا قليلا، ثم قال اسحاق: هلم لنذهب إلى الرجل الذي لم تر عيناك مثله. فقال أحمد: هذا هو الشافعي. فغضب اسحاق وقال لأحمد: أقمتنا من عند رجل يقول: قال الزهري، فما توهمت إلا أنك ستأتي بنا إلى رجل مثل الزهري أو قريبا منه، فإذا بك تأتي بنا إلى هذا الشاب. فقال أحمد لاسحاق: اقتبس منه فما رأت عيناك مثله، فجلس اسحاق يناظر الشافعي، فناظره في مسألة دور مكة، فكان الشافعي يستدل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسحاق يقول: قال فلان وفلان. فقال الشافعي رحمه الله: ما أحقك أن تكون في غير هذا المكان. أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لي: قال فلان وفلان؟!).

فنظر اسحاق إلى الذين معه، ورطن لهم بلغته التي لا يعلمها الشافعي، وقال كلمة معناها: هذا إنسان متعالم. فعرف الشافعي أن الكلام فيه ما فيه، ولكنه أعرض عنه.

ولما تأمل اسحاق كلام الشافعي ندم أشد الندم، وقال: (لما تدبرت ما قال الشافعي، علمت أنه قد علم ما غاب عنا، وحيائي من محمد بن إدريس. ورجع اسحاق إلى مذهب الشافعي)(12).




،،، وتحياتي ،،،

الفيصل
10-24-2009, 12:17 AM
واصل ابا سياف واتحفنا بالمزيد عن هؤلاء القمم الشامخة رحمهم الله وبارك الله بجهدك يالحبيب ..

خالد بن فريد بن محسن
02-06-2010, 04:49 PM
واصل ابا سياف واتحفنا بالمزيد عن هؤلاء القمم الشامخة رحمهم الله وبارك الله بجهدك يالحبيب ..

حياك يا (الفيصل) وها نحن نواصل .. بعد أن طال الفاصل :( .


،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
02-06-2010, 04:51 PM
الفيلسوف الرباني (3/5)

فواصل في سلوك الإمام الشافعي رحمه الله:
هناك من الناس من ينظر للخُلُقِ الفاضل الجميل أحسن نظر، ويتكلم عنه كأطيب ما يكون الكلام، ولكنه قد يخفق على المحك العملي لأول وهلة، ولهذا كان جميلًا أن تظفر بمواقف شخصية من الإمام الشافعي تدل على أخذه نفسه بما يقتضيه العلم من الخلق الكريم.
ومن ذلك:
- سأله رجل من أهل العراق فقال: (ما تقول في أبي حنيفة؟ قال: سيدهم. قال: فأبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث. قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعًا. قال: فزفر؟ قال: أحدُّهم قياسًا)([1] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn1)).
لقد أعطى الإمام الشافعي كل ذي حقٍّ حقه، ولم يمنعه الخلاف مع بعض الأئمة أن يثني عليهم بخير، نعم أخذ عن محمد بن الحسن، ومع ذلك كتب كتابًا يتتبع فيه اختيارات محمد بن الحسن، ويرد عليه بالحديث الشريف.
- قال ولد الشافعي: (ما سمعت أبي أبدًا يناظر أحدًا فيرفع صوته)([2] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn2))؛ لأن الصراخ والصياح هو بداية إعلان الفشل والإخفاق.
- قال المزني يومًا أمام الشافعي: (فلان -من الرواة- كذَّاب. قال له الشافعي: يا أبا إبراهيم! اكس ألفاظك أحسنها،لا تقل: فلان كذَّاب، وقل: حديثه ليس بشيء)([3] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn3)). والنتيجة واحدة!
- وخرج الإمام الشافعي يومًا إلى السوق فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم ويعيره ويتكلم فيه، فالتفت الشافعي إلى التلاميذ، وقال لهم: (نزهوا أسماعكم عن استماع الخَنَا، كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه، فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم)([4] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn4)).

فَسامِعُ الشَرِّ شَريكٌ لَهُ === وَمُطعِمُ المَأكولِ كَالآكِلِ



مَقالَةُ السوءِ إِلى أَهلِها === أَسرَعُ مِن مُنحَدَرٍ سائِلِ



وَمَن دَعا الناسَ إِلى ذَمِّهِ === ذَمّوهُ بِالحَقِّ وَبِالباطِلِ




- يقول الربيع رحمه الله: (مرض الشافعي فدخلت عليه فقلت: يا أبا عبد الله! قوَّى الله ضعفك. فقال: يا أبا محمد! لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني. قلت: يا أبا عبد الله! ما أردت إلا الخير. فقال: لو دعوت الله عليَّ لعلمت أنك لم ترد إلا الخير)([5] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn5)).
ففي هذا إشارة إلى أن كلام الناس لا يؤخذ بألفاظه، وإنما يؤخذ بمعانيه ومقاصده.
يقول الربيع أيضًا: (قرأت كتاب الرسالة على الإمام الشافعي -والربيع هو الذي روى هذا الكتاب- ثلاثين مرةً، فما من مرة إلا وكان الشافعي يصححه، ثم قال في المرة الأخيرة: أبى الله تعالى أن يكون كتاب صحيح إلا كتابه).
إنَّ الشافعي رحمه الله رد على مالك، ورد على محمد بن الحسن وغيرهم، وكان له مذهب قديم رجع عنه إلى الجديد؛ وصحح الرسالة بمكة، ثم صححها في العراق، ثم انتقل إلى مصر وصاغها الصياغة الأخيرة، ولا يعرف بين الناس إلا كتاب الرسالة الذي صاغه في مصر، وهكذا فإن الأقوال والاجتهادات محل مراجعة ومناقشة ونظر وتصحيح.
من أقوال الشافعي رحمه الله في المروءة والكرم:
لقد كان الشافعي رحمه الله من أهل المروءة والكرم، ومما يدل على ذلك قوله:
- (من أحبَّ أن يقضي الله له بالخير فليحسن الظن بالناس)([6] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn6)).
- وقال: (للمروءة أركان أربعة: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك)([7] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn7)).
- وقال: (الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط)([8] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn8)).
- وقال: (بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد)([9] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn9)).
- وقال: (ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته)([10] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn10)).
- وقال: (لا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ردك)([11] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn11)).
- وقال رجل للشافعي: أوصني. فقال: (إن الله تعالى خلقك حرًا، فكن حرًا كما خلقك)([12] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn12))، فالفقهاء المتقدمون كانوا يستخدمون كلمة الحرية بمعنى آخر غير الحرية من الرق.
- وقال أيضًا: (الحرية هي الكرم والتقوى، فإذا اجتمعتا في شخص فهو حر).
- وقال: (الفتوة حلي الأحرار)([13] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn13))، ويقصد بالفتوة معان من الكرم والشجاعة والنجدة كانت معروفة.
- وقال أيضًا: (لو أنَّ رجلًا سوَّى نفسه حتى صار مثل القِدْح لكان له في الناس من يعانده).
- وكان رجلان يتعاتبان عند الشافعي رحمه الله فقال الشافعي لأحدهما: (إنك لا تقدر ترضي الناس كلهم، فأصلح ما بينك وبين الله عز وجل، فإذا أصلحت ما بينك وبين الله عز وجل فلا تبال بالناس)([14] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn14)).
- وقال رحمه الله: (صَحِبتُ الصوفيةَ عشر سنين، ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين: الوقت سيف، وأفضل العصمة ألا تقدر)([15] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn15)).
لقد صاحب الشافعي الصوفية، وكان ينصحهم ويعلمهم ويؤدبهم، كما ثبت عنه ذلك في سيرته.
كما أنه رحمه الله وإن كان ينتقد الصوفية، إلا أنه مع ذلك ذكر أنه استفاد منهم أن الوقت سيف، ومن العصمة أن لا تقدر. أي أن الإنسان يكون راغبًا في شر، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يمكنه من ذلك.
- وكان يقول: (الوقار في النزهة سُخف)([16] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn16))، أي: إذا ذهبت في نزهة مع أسرتك أو أصحابك، فمن السخف أن تكون متوقرًا معهم، بل لا بد أن تنبسط لهم.
- وأطرف تلاميذه ببعض الطرائف: فمنها أنه كان يقول: (رأيت بالمدينة ثلاث عجائب لم أر مثلها قط: رأيت رجلًا فلس في مد من نوى فلسه القاضي، ورأيت رجلًا له سن شيخ كبير خضيب، يدور على بيوت القيان ماشيًا يعلمهم الغناء، فإذا حضرت الصلاة صلى قاعدًا، ورأيت رجلًا أعسر يكتب بشماله، وهو يسبق من يكتب بيمينه)([17] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn17)).
وقال رحمه الله في مجلس آخر: (إن رجلًا من أهل المدينة بعث غلامًا له متخلِّفًا وقال له: اشتر لي حبلًا طوله ثلاثون ذراعًا. فقال له ولده: طوله ثلاثون ذراع بعرض كم؟ قال له: عرض مصيبتي فيك)([18] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn18))، أي: لأنه لم ينصب لفظة "ذراع" وهي تمييز للعدد، وحقه النصب.
ومن أخلاق الشافعي أنه كريم حتى يقال: إنه تم إفلاسه ثلاث مرات على كثرة ما كان يأتيه من أموال؛ لأنه كان يصرفها على طلاب العلم والمحتاجين.
وكان العلماء في عصر الإمام الشافعي شديدي التعظيم له، ومنهم الإمام أحمد؛ وقد عاتب يحيى بن معين الإمام أحمد في هذا التعظيم، حيث أخذ برأس بغلته وأكرمه وأنزله، وكان يناديه: يا أبا عبد الله، ويجله ويعظمه. فقال يحيى بن معين: (إنك بالغت في تعظيم الشافعي! قال أحمد ليحيى: دع عنك هذا، إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة)([19] (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119393.htm#_ftn19)).


([1]) انظر: تاريخ بغداد (14/246).

([2]) انظر: الشمائل الشريفة للسيوطي (ص362)، فيض القدير (5/308).

([3]) انظر: فتح المغيث (1/371).

([4]) انظر: حلية الأولياء (9/123)، تاريخ دمشق (51/183).

([5]) انظر: حلية الأولياء (9/120).

([6]) انظر: تهذيب الأسماء (1/76).

([7]) انظر: سير أعلام النبلاء (10/98) .

([8]) انظر: حلية الأولياء (9/122).

([9]) انظر: تاريخ دمشق (51/411).

([10]) انظر: سير أعلام النبلاء (10/98).

([11]) انظر: تهذيب الأسماء (1/76).

([12]) انظر: تهذيب الأسماء (1/77).

([13]) انظر: تهذيب الأسماء (1/76).

([14]) أخرجه أحمد في الزهد الكبير (2/105).

([15]) انظر: تلبيس إبليس (ص414).

([16]) انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (2/212).

([17]) انظر: حلية الأولياء (9/142)، تاريخ دمشق (5/172).

([18]) انظر: سير أعلام النبلاء (6/239).

([19]) انظر: حلية الأولياء (9/99)، تاريخ دمشق (51/355).



،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
02-09-2010, 09:54 AM
الفيلسوف الرباني (4/5)



الشافعي وتهمة التشيع:
كان بعض طلبة العلم في عصره رحمه الله منحرفين عنه لسبب أو لآخر، فاتهموه بأنه كان متشيعًا، وحاشاه! ولم يكن الشافعي كذلك، وإنما كان يحب أهل البيت، وكلنا يحب أهل البيت، وله في ذلك قصيدته الشهيرة التي يقول فيها:

يا راكِبًا قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً = وَاِهتِف بِقاعِدِ خَيفِها وَالناهِضِ
سَحَرًا إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً = فَيضًا كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ
إِن كانَ رَفضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ = فَـليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي


فقيل للإمام أحمد رحمه الله: (إنَّ هناك من يتهم الإمام الشافعي بالتشيع، ومنهم فلان وفلان! فقال الإمام أحمد رحمه الله: أنا لا أدري ما يقولون، ولكن والله ما رأيت من الرجل إلا خيرًا، وإن الرجل من أهل العلم إذا آتاه الله تعالى ومنحه شيئًا، وحرم أقرانه منه فإنهم يحسدونه على ذلك، ويرمونه بما ليس فيه).
وهذه شهادة عظيمة للإمام الشافعي على لسان الإمام أحمد لم يحبها أقرب الناس إليه، والإمام أحمد يشير بهذا إلى بعض طلبة الحديث الذين وجدوا على الشافعي ما وجدوا.

الشافعي وتهمة الاعتزال:
أيضًا اتهم الشافعي رحمه الله بالاعتزال، وذلك لأنه تتلمذ على يد رجل من أهل المدينة يقال له: إبراهيم بن أبي يحيى، أخذ عنه في حداثة سنه يوم كان يأخذ عن الإمام مالك رحمه الله، وكان الشافعي احتاج إلى مرويات إبراهيم هذا لما كان في مصر في آخر عمره، وكان ينقل عنه ويقول: حدثني الإمام إبراهيم، أو حدثني الثقة.
كان إبراهيم بن أبي يحيى متروكًا عند أهل الحديث، أما الشافعي فكان له فيه رأي آخر وكان يروي عنه، ولما كان فيه من الاعتزال ألصق البعض هذه التهمة بالشافعي.
ويكفي في نفي هذه التهمة وردها: أنَّ الشافعي رحمه الله كان من أكثر العلماء ذمًا لعلم الكلام، وكلامه في ذلك كثير، وقد شنَّع عليهم، حتى كان يقول: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، فينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام)(1) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119421.htm#a).
وكان يصرح بأنه يثبت أسماء الله تعالى وصفاته على ما قال الله تعالى، وعلى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما عليه أصحاب محمد والتابعون لهم بإحسان.
فكان الرجل سليم السريرة، نقي الطوية، صالح الاعتقاد، سليم السلوك، ولكن القوم حسدوه كما قيل:

حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ = فَـالـقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ
كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها = حَـسـدًا وَبَـغيًا إِنَّهُ لَدَميم


وقد تحامل على الشافعي أيضًا بعض المالكية، وذلك أنه لما جاء إلى مصر ظنوا أنه سوف ينشر مذهب مالك، فوجدوا أن الشافعي لا يفعل ذلك، وإنما يكتب كتابًا ينتقد مالكًا في مسائل، منها:
* قول مالك في إجماع أهل المدينة، حيث كان مالك يعده إجماعًا ويأخذ به، فخالفه بذلك الشافعي، وقال: (ما نقله أهل المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حديث يروى كما يروى عن غيرهم، وما قالوا به من عند أنفسهم فهو اجتهاد يخطئون فيه ويصيبون).
* وكذلك خالف الشافعي الإمام مالك في مسائل رأى الشافعي أن الحديث صح فيها، بخلاف ما قاله مالك رحمه الله.
وربما كان من قصد الشافعي أنه رأى تعظيمًا لمالك أكثر مما ينبغي، خصوصًا في بلاد مصر.
وربما بلغه شيء من ذلك حتى رأى نوعًا من الإفراط في محبة الإمام مالك وتعظيمه، وهذا لا شك ميدان تضعف فيه العقول عن النقد والتصحيح، وكثير من العوام يبتلون بمثل هذا، فأراد الشافعي أن يعيد الميزان إلى اعتداله، فكتب كتابًا في خلاف مالك، ونقد مالكًا في أمور خالفه فيها، مع حفظه لقدره ومكانته.
ولاشك أن الشافعي رحمه الله مات وهو يعتبر نفسه أحد التلاميذ الأوفياء لهذا الإمام العظيم الذي تلقى عنه وحفظ عليه، وكان كتابه الموطأ أول ما باشر عقل الشافعي وقلبه من العلم.
ــــــــــــــ

(1) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119421.htm#aa)أخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص78).



،،، وتحياتي ،،،

خالد بن فريد بن محسن
02-13-2010, 06:09 PM
الفيلسوف الرباني (5/5)

الشافعي وتأصيله لعلم الأصول:
كان الشافعي رحمه الله إمامًا حجةً، وأقر له بالعلم أهل زمانه، وأخذوا عنه، واعتبروه مرجعًا للفتوى والعلم والفقه والأصول وغيرها.
الأسباب التي دفعت الشافعي لوضع علم أصول الفقه :
1- بُعْدُ عصر الشافعي من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم .
2- دخول الكلمات والأساليب الغريبة إلى اللغة العربية.
3- وجود الشافعي في عصر اشتد فيه الخلاف والجدل بين أصحاب مدرسة الحديث في المدينة النبوية ، وأصحاب مدرسة الرأي في العراق ، مما دفعه إلى أن يدوّن علم أصول الفقه ، لكي يعرف المجتهد القواعد والموازين التي يجب عليه أن يلتزمها عند التعرض لاستخراج الأحكام الشرعية من مصادرها.
4- كثرة الحوادث والوقائع التي جدت نتيجة اتساع الدولة الإسلامية ، واختلاط العرب بغيرهم من الشعوب الأخرى ، ذات العادات والأعراف المختلفة ، وعدم وجود أحكام لكثير من هذه الحوادث والوقائع بخصوصها في القرآن أو السنة ، فكان لابد من استعمال القياس بإلحاق الصور الجديدة التي حدثت في هذه المجتمعات ، بصور وضح القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة أحكامها ، لوجود العلة الجامعة بين الأصل والفرع ؛ فدعت الحاجة إلى الكلام عن القياس بوصفه مصدراً من مصادر التشريع ، للتعرف بواسطته إلى أحكام هذه الوقائع الجديدة (1) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#a)
وكان أعظم عمل قام به الشافعي رحمه الله وخلد الله تعالى به ذكره هو "كتاب الرسالة" وهو كتاب مطبوع، وأفضل طبعاته ما كان بتحقيق الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر، وهو في مجلد ضخم.
هذه الرسالة هي في أصول الفقه، وقد دوَّن فيها القوانين التي تحكم الفقه أو الاستنباط، وهي عبارة عن أصول مسلمة بالجملة لا شبهة فيها، أو قواعد يتمكن بها الفقيه من الفهم والاستنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهو علم منطق العرب في مقابل منطق اليونان الذي وضعه أرسطو، فكان الشافعي رحمه الله يشير إلى أن علم أصول الفقه هو منطق العرب، وكان يعتبر العرب أحدَّ الناس عقولًا وأكثرهم ذكاء؛ ومن قواعد هذه الأصول:
* أنه ما من مسألة إلا والحكم فيها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ((وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)) [الإسراء:12]، فكل مسألة فلله فيها حكم، إما تحريم أو جواز أو إباحة، هذا من حيث الجملة.
* أنه لا حكم إلا بدليل، فلا يحل لأحد أن يقول في شيء بحكم ما إلا بدليل: إما من القرآن، أو الحديث، أو الإجماع، أو القياس.
هذه هي الأصول العامة.
ثم شرع رحمه الله يفصل في هذه الأصول، ويبين الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد وغير ذلك، وبيَّن أيضًا الصحيح من الضعيف سواء في الحديث أو القياس، وقد قال رحمه الله بإبطال الاستحسان الذي كان يقول به الأحناف وغيرهم.
وبهذا العمل الجليل الذي عمله الشافعي قدَّم خدمةً عظيمة للتقريب بين المدارس الفقهية، ففي عصره كانت هناك مدرستان:
مدرسة الرأي ويُقصد بها أهل الكوفة.
ومدرسة الحديث وكانت موجودةً في الحجاز وغيرها.
وكان بينهما فرق كبير ونوع من الخلاف والتباعد، فلما جاء الإمام الشافعي ووضع الرسالة قرَّب أهل الرأي إلى أهل الحديث، وقرَّب أهل الحديث إلى أهل الرأي، وبيَّن الحديث الضعيف الذي لا يحل الاستدلال به، فنجا بذلك أهل الحديث من الاستدلال ببعض الأحاديث الضعيفة، كما نجا أهل الرأي من الاستدلال بالقياس الفاسد أو الباطل، وبذلك وضع أصولًا لمدرسة وسطية ينتفع بها أهل الحديث كما ينتفع بها أهل الرأي، ولم يكن هذا غريبًا على إمام درس في حداثة سنه على يد الإمام مالك رحمه الله، وهو من أئمة أهل الحديث، ودرس بعد ذلك على يد محمد بن الحسن، وهو من أئمة أهل الرأي.
قال ابن حجر : " وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس, فرحل إليه ولازمه ، وأخذ عنه ، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة, فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حمل جمل ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه, فاجتمع له علم أهل الرأي, وعلم أهل الحديث, فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول ، وقعّد القواعد ، وأذعن له الموافق والمخالف ، واشتهر أمره ، وعلا ذكره ، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار (2) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aa)
ومن المعروف أن الإمام الشافعي رحمه الله كان له مذهب في العراق، فلما ذهب إلى مصر غيَّر مذهبه، واستحدث أقوالًا جديدة، وهذا أوجد للشافعي قولين: القديم والجديد.(3) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaa)
وأما أسباب تغير مذهبه فأمور:
أولًا: بسبب الاجتهاد؛ فإن العالم يظل مجتهدًا إلى أن يموت، والاجتهاد من العبادة، قال تعالى: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر:99]، فالاجتهاد من الثوابت التي لا تتغير، وإن كانت نتائج الاجتهاد من المتغيرات التي يجوز أن تختلف بين وقت وآخر.
ثانيًا: لأن الشافعي رحمه الله جالس العلماء المصريين، وأخذ عنهم وسمع حديثهم، وكان ممن أخذ عنهم الشافعي في مصر تلاميذ الليث بن سعد الذي كان في المدينة وزامل الإمام مالك، ووجد عندهم من حديث العلم وجديده ما أضافه إلى علمه القديم.
ثالثًا: أن الإمام الشافعي بصر في مصر بحالات جديدة من الأوضاع العملية والعلمية والاجتماعية ولَّدت عنده نوعًا من الفهم الجديد، ولذلك تجد في كتبه التي كتبها بمصر ما يَنُم عن الأحوال والأمور التي كانت موجودة في مصر ولا يعلمها أهل العراق.
رابعًا: لأن الشافعي رحمه الله زاد عقله وتم نضجه ونمت تجربته بالسن وبمخالطة الناس ورجال العلم، ولذلك قال الإمام أحمد لمن سأله: (ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أهي أحبُّ إليك أو التي عندهم بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك)(4) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaa).
فلهذا ولما جُبِل عليه الشافعي رحمه الله من الصدق والإخلاص والنية الصالحة في طلب العلم وتعليمه، ولما كان عليه من حسن الأدب والتربية، ولما عنده من سعة العلم والفهم والاطلاع على نصوص الكتاب والسنة، ولِما أصَّله من القواعد التي احتاج إليها مَنْ بعده حتى ظل كتابه "الرسالة" إلى اليوم هو أفضل كتاب في أصول الفقه، وكأن هذا الكتاب ولد متكاملًا أو على الأقل ترك بعد وفاة الشافعي مكتملًا لا يحتاج إلى مزيد..
لذلك كله كتب الله تعالى للإمام الشافعي القبول عند الناس، وصار أحد الأئمة المتبوعين.
كان -رحمه الله- أبعد الناس عن التعصب والتقليد ، وأكثرهم حرصاً على السنة والاتباع ، ولهذا قال البخاري رحمه الله: سمعت الحميدي يقول: (كنا عند الشافعي رحمه الله فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة.. تراني في بيعة.. تراني على وسطي زنار. أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول: ما تقول أنت)(5) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaa).
وصح عنه قوله: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)(6) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaa). وهذا منقول عن غيره من الأئمة.
فالواجب على الطلبة والأتباع أن يستفيدوا منه وألا يتعصبوا له؛ فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر صلى الله عليه وسلم.

(1) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaa)الشافعي فقيهاً ومجتهداً (ص/330).

(2) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaaa)توالي التأسيس (ص/73).
(3) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaaaa)انظر (الإمام الشافعي في مذهبه القديم والجديد) للدكتور أحمد نحرواي عبد السلام الإندونيسي، و(ضحى الإسلام) لأحمد أمين (1/231).
(4) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaaaaa)انظر: حلية الأولياء (9/97)، تاريخ دمشق (51/366).
(5) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaaaaaa)انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص399).
(6) (http://www.islamtoday.net/salman/artshow-28-119485.htm#aaaaaaaaaaaa)انظر: طبقات الشافعية الكبرى (6/139)، سير أعلام النبلاء (10/53).